مارية القبطية
في رحاب السيرة النبوية، تتلألأ أسماء نساءٍ خلدهنّ التاريخ، لا بألقاب وراثية، ولا بأموال موروثة، بل بمواقف خالدة، وإيمان صادق، وانتماء مبارك لبيت النبوّة، ومن بين تلك الجواهر اللامعة، تبرز مارية القبطية، الجارية التي جاءت من أرض النيل، فدخلت الإسلام، وسكنت قلب خاتم الأنبياء، لا خضوعًا ولا قسرًا، بل إيمانًا واقتناعًا، فصارت من خاصّة أهل بيته، ومن أمهات ولده، وممن شرفهنّ الله بالقرب من نبيّ الرحمة، هي مارية التي حملت في قلبها صدق المهتدين، وفي رحمها ابن النبي إبراهيم، فبكته الأرض حين مات، واهتزّ له قلب النبوة حزنًا، لم تكن قصّتها مجرّد انتقال من قصر إلى دار، ولا من مِلْك إلى زواج، بل كانت قصة عبورٍ من الوثنية إلى التوحيد، ومن الظلّ إلى النور، ومن جاريةٍ في أعين الناس، إلى حرة في سجل السماء، فيا قارئ هذه السطور تمهّل عند سيرة مارية، فإنك على موعد مع قلبٍ أحبه النبي، وامرأةٍ سُطّرت سيرتها بحروف من طُهر ووفاء ، فهي القبطية (مارية بنت شمعون)، ولم أقف على ترجمة كاملة لها في كتب السير والتاريخ، ولا يضرها رضى الله عنها قلة سيرتها ومعرفة نسبها إذ الله يعلمها ويرضى عنها، وكان قد أهداها للنبي المقوقس صاحب مصر، وذلك بعد صلح الحديبية، وقد كانت مارية القبطيَّة نصرانيَّة ([1]).
أنزلها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأختها على أم سليم بنت ملحان فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فأسلما، فوطئَ مارية بالملك وحولها إلى بيت له بالعالية ([2])، وكانت رضى الله عنها حسنة الدِّين ([3])؛ (ورزق الله رسول الله منها ابنه إبراهيم عليه السلام) ([4]).
كنت قديماً اتبنى أنها أم من أمهات المؤمنين وبعد البحث والنظر تبين أنها من جواري رسول الله، فأمهات المؤمنين تطلق عند أهل العلم على كل امرأة عقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخل بها، جاء استعمال الفقهاء أنهم يريدون بـ (أمهات المؤمنين) كل امرأة عقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها، وإن طلقها بعد ذلك، وعلى هذا فإن من عقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها فإنها (لا يطلق عليها لفظ أم المؤمنين)([5])، ومن دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التسري، لا على وجه النكاح، لا يطلق عليها (أم المؤمنين ) وبذلك يتبين أن مارية القبطية رضى الله عنها ليس أم للمؤمنين، ويؤخذ ذلك من قوله تعالى في سورة الأحزاب: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ)([6]) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعقد عليها، وإنما تسرى بها فولدت له إبراهيم رضى الله عنها وأرضاها، فلم تكن أم للمؤمنين، وهذا لا ينقص من قدرها الدينة التقية رضى الله عنها.
ذكر صاحب الإصابة في معرفة الصحابة: توفّيت في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، في المحرم سنة (ستّ عشرة)، فكان عمر يحشُر الناس لشهودها، وصلّى عليها، ودفنها بالبقيع ([7]).
وقال ابن منده: ماتت مارية رضي اللَّه تعالى عنها بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، فرضى الله عنها وأرضاها وعن سائر أمهات المؤمنين ([8]).
الختام
وها نحن قد وصلنا إلى ختام هذه الرحلة المباركة في بيوت الطهر، حيث الحب يَنبع من صادق الإيمان، وحيث العاطفة لا تعرف حدودًا سوى حدود المبدأ والإيمان بالله ورسوله، في بيوت النبوة، لم يكن الحب مجرد مشاعر عابرة، بل كان ارتباطًا عميقًا بالله، يُترجم إلى أفعالٍ نبيلة، وتضحياتٍ عظيمة، ومواقف من الصبر والوفاء، حتى صار كل زاوية فيها درسًا في الحياة الطاهرة، لقد كانت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، رضوان الله عليهن، مثالًا حيًا للمرأة المسلمة، التي تمتزج فيها العاطفة بالإيمان، وتتحقق فيها المعاني السامية في الطاعة، والصبر، والوفاء، أحبهن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بسبب جمالهنّ الظاهري، بل بسبب طهر قلوبهن، وإيمانهن، وإخلاصهن في تبني رسالة الإسلام، وفي النهاية عندما نُسدل الستار على هذا الكتاب، يبقى لنا أن نتأمل في ما تركته لنا بيوت النبوة أن الحب في الإسلام ليس مجرد شعور، بل هو منهج حياة، وأن الإيمان ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو سلوك يتجسد في أقوالنا وأفعالنا، فتبقى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم منارةً تُضيء لنا الطريق، وتستمر قصص الحب والإيمان فيها لتعلمنا كيف نعيش حياة مليئة بالسلام الداخلي والتسليم لله، كتبت هذه السطور وأنا أعيش بقلبي وجسدي مع كل بيت من بيوت الحبيب اكتب بأناملي وأنطر بعيني ويدق قلبي تدفقاً وحباً لبيوته صلوات الله وسلامه عليه، وأنا أرجو من الله أن يجعل لهذه الصفحات القبول عند قارئيه، لعله أن يكون جامعًا بين الروح الإيمانية، والخلاصة المعرفية، والدعوة التأملية والاقتداء المبارك، وأحمد الله الذي وفقني بالطواف في بيوت النبي لأعيش أطيب اللحظات والأوقات، فليكن هذا الكتاب دعوة للتأمل في سِيَرِهِنّ، واقتفاء أثرهِنّ، ولتكن كل صفحة فيه جسرًا يقربنا من فَهم أعمق لروح الإسلام من داخل بيوته النورانية، نسأل الله أن يجمعنا بهنّ وبالنبي المختار في الفردوس الأعلى، وأن يجعل لنا فيهنّ قدوة حسنة في الدنيا والآخرة، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل سبحانه وتعالى عم يشركون والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبيه الكريم وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.
(1) القاموس الجغرافي لمحمد رمزي ج1 / ص 229، 230، والبداية والنهاية لابن كثير 8/228.
(2) مكان في مدينة رسول الله يبعد عن باقي الزوجات.
(3) الطبقات الكبرى" (1 / 134 – 135).
(1) زاد المعاد " (1 / 114).
(1) قال ابن القيم: قال أبو عبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم، وريحانة، وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. " زاد المعاد " (1 / 114).
([6]) سورة الأحزاب الآية 6
(3) الإصابة في تميز الصحابة ترجمة مارية القبطية.
(4) المصدر السابق.