فضل أمهات المؤمنين رضى الله عنهن

2026-01-11

فضل أمهات المؤمنين رضى الله عنهن

أيها القارئ الكريم

 إلى كل قلبٍ أرهقته قسوة الحياة، وكل نفسٍ تتوق إلى الحبّ النقي، والإيمان العميقإلى من يبحث عن السكينة في زمنٍ ضجّت فيه الأرواح، وتشوّهت فيه المعانيأدعوك في صفحات هذا الكتاب أن تُنصت بصمتٍ لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، أن تفتح روحك على بيوتٍ لم تكن من طينٍ وحجر، بل من نورٍ وذكر، ورضا وأمل، ليس هذا الكتاب دراسة جامدة، بل هو رحلة حُبٍّ وإيمان، عِشها بقلبك، وتأملها بعيني روحك، لعلّك تخرج منها وقد تغيّرتَ… لا من حيث قرأت، بل من حيث شعرت، حتى نشعر بما شعر به من علّم الدنيا كيف يكون الحب طهارة، والإيمان حياةمن سيّد القلوب، محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذي أحبّ زوجاته بإيمان، وأحبّ ربّه بعمقٍ لا يُدركه وصف، ومن بيوته الطاهرة، التي ما زالت أنفاسها تهمس في الأرواحإلى كل امرأةٍ تبحث عن قدوة، وكل رجلٍ يفتّش عن معنى للحب المقرون بالتقوىأُهدي هذا الكتاب، راجيًا من الله أن يُورث أثره في القلوب، كما أورث النبي صلى الله عليه وسلم أثره في العالمين.

 

فضل أمهات المؤمنين من الكتاب والسنة

أن الله تعالى اختارهن زوجات لنبيه صلى الله عليه وسلم، ووصفهن بهذا الوصف في كتابه العزيز (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) وناداهن بنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ) وهذا شرف عظيم لهن حين ذكرهن الله تعالى في كتاب يتلى إلى يوم القيامة، ونسبهن فيه لخاتم الأنبياء والمرسلين، وأن الله تعالى لما اختارهن لنبيه صلى الله عليه وسلم أدَين الأمانة وبلغن رسالته وما قصرن في حقه رضى الله عنهن فكنّ على قدر المسئولية، وأدركن قيمة ذلك الشرف العظيم؛ وذلك حين خيرهن النبي صلى الله عليه وسلم بين العيش معه على القلة والحرمان، وبين متاع الدنيا؛ فاخترن الله ورسوله؛ كما في حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي، فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ مَا فَعَلْتُ)، وقد أدخلن السرور على النبي صلى الله عليه وسلم باختيارهن له دون الدنيا ومتاعها، كما قالت عائشة رضي الله عنها: (فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَعْجَبَهُ)، فمن أعظم مناقبهن أنهن رضي الله عنهن قد أدخلن السرور على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، ونتيجة لهذا الاختيار صبرن على شظف العيش، وقلة الدنيا؛ إذ كان يمر الشهر والشهران لا يوقد في بيوتهن نار فكان طعام رسول الله الماء والتمر كما قالت عائشة رضى الله عنها، وكن يرضين بما رضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو (التمر والماء)

 أن الله تعالى لما اختارهن لنبيه صلى الله عليه وسلم حمّلهن من المسؤولية أعظم من غيرهن من النساء، وجعلهن في منزلة أعلى من منزلة غيرهن، فضاعف لهن العقوبة في حال الإساءة، كما ضاعف لهن الأجر في حال الإحسان، وقد كن محسنات، فلهن الأجر العظيم (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا)، وقد فُسِّر الرزق الكريم المعد لهن بأنه الجنة؛ فهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة كما كن زوجاته في الدنيا، وأن الله تعالى أكرمهن بقوله سبحانه (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ)، جاء عن جمع من السلف أن (هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضًا عنهن، على حسن صنيعهن في اختيارهن اللَّه ورسوله والدَّار الآخرة، فلما اخترن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كان جزاؤهن أن اللَّه قصره عليهن، وحرَّم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجًا غيرهن، ولو أعجبه حسنُهن، إلا الإماء وَالسِّراري فلا حرج عليه فيهن، ثم إِنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التَّزوج، ولكن لم يَقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنَّة للرَّسول صلى الله عليه وسلم عليهنَّ، وبيَّن حكمهنَّ عن غيرهنَّ فقال سبحانه: (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً)، فلم يحل لهن الزواج بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى فضلهن على عموم النساء، وخاطبهن بهذا التفضيل في كتاب يتلى إلى يوم القيامة؛ ليعلم به كل قارئ للقرآن فقال سبحانه (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ)؛ وقد اتقين الله تعالى رضي الله عنهن وأرضاهن، (أَنْتُنَّ أَكْرَمُ عَلِيَّ، وَثَوَابُكُنَّ أَعْظَمُ لدي)، (وسبب ذلك أَنهن اتَّصلن بالنَّبي عليه الصلاة والسلام اتصالًا أقرب من كل اتصال، وصرن أنيساته، ملازمات شؤونه، فيختصصن باطلاع ما لم يطلع عليه غيرهنَّ من أحواله وخلقه في المنشط والمكره، ويتخلَّقن بِخُلُقه أكثر مما يقتبس منه غيرهن، ولأن إقباله عليهنَّ إقبالٌ خاصٌّ).

 أن الوحي كان يتنزل في بيوتهن؛ فمن حجرهن نبعت كثير من آيات القرآن التي نتلوها بعد قرون متتابعة من نزولها، وقد نوه الله تعالى بتلك الميزة لهن فقال سبحانه (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من آل بيته الذين نوه الله تعالى بهم في قوله تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)  قال: ابن عباس رضي الله عنهما: (نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة)، وعن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رضي الله عنه أَنَّهُمْ قَالُوا: (يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)، فحري بأهل الإيمان أن يعرفوا لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فضلهن وخصائصهن؛ فإنهن أمهاتهم بنص القرآن (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، وأن يربوا نساءهم وبناتهم وأخواتهم  على سيرهن رضي الله عنهن وأرضاهن، فنعم السيرة سيرتهن، ونعم الأخبار أخبارهن، فهن النساء العظيمات في هذه الأمة، حفظن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، ولم تفش واحدة منهن سرّه، واخترنه على الدنيا وزينتها، ونقلن لنا ما كان من أقواله وأفعاله وأحواله في بيته، رضى الله عنهن.

 

عودة للمقالات