جويرية بنت الحارث رضى الله عنها
في رِحاب التاريخ النبوي، تشرق أسماء نساءٍ سطرن المجد بالإيمان، وزيّنّ صفحات السيرة بالعقل والحكمة، ومن بين تلك الأسماء الندية، تبرز سيدة أسلمت فاستنارت، وأُسِرت فجاءها الفرج، جُويرية بنت الحارث، سيدة بني المصطلق، وابنة الزعامة، وزوجة خير الأنام، دخلت الإسلام من باب القناعة لا القهر، ومن باب النور لا الغُربة، فكان إسلامُها بركةً على قومها، ورحمةً بأهلها، حتى قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم ما رأيتُ امرأةً كانت أعظمَ بركةً على قومها منها، فهي التي كانت بالأمس أسيرة، فأصبحت أمًّا للمؤمنين، ونبراسًا للنساء التائبات الصادقات، نغوص في سيرة امرأة جمعت بين الجَمال والجلال، وبين الرّقة والرّزانة، فكانت أنموذجًا للفتاة المسلمة التي تُبدّل المصير بقوة اليقين، وتكتب تاريخها بسكون العقل وضياء القلب، هنا نقف مع جُويرية رضي الله عنها، لا لنروي قصة، بل لنستلهم منها درسًا، ونقتبس من ضيائها نورًا رضى الله عنها.
جويرية رضى الله عنها: وقيل كان اسمها برة ([1])!! وهي بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن خذيمة الخزاعي ([2])، كانت جويرية رضى الله عنها في بيت والدها معززة مكرمة في ترف وعز وفي بيت تسوده العراقة والأصالة ([3]).
كانت جويرية رضى الله عنها تحت ابن عم لها يقال له مسافع بن صفوان المصطلقي ([4])، وقد قُتل في يوم المريسيع ([5])، ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم قومها بني المصطلق فكانت من جملة السبي، ووقعت في سهم ثابت بن قيس رضي الله عنه ([6]).
تزوج النبي صلى الله عليه وسلم جويرية في العام الخامس الهجرة عندما وقعت في الأسر كما تقدم معنا وإليك خبر عائشة تقص لنا خبر زواج جويرية رضى الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم:
عن عائشة أم المؤمنين قالت: (لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا (أسرى بني المصطلق) سنة خمس من الهجرة، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس - أو لابن عم له - وكاتَبَتْه على نفسها، وكانت امرأةً حلوةً مُلاحةً لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتُها على باب حجرتي فكرهتُها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخفَ عليك، فوقعتُ في السهم لثابت بن قيس بن الشماس - أو لابن عم له - فكاتبتُه على نفسي، فجئتُك أستعينك على كتابتي، قال: فهل لكِ في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي كتابتكِ وأتزوجكِ، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأةً كانت أعظم بركةً على قومها منها)([7]).
وقالت جويرية بنت الحارث: (تزوجني رسول الله وأنا بنت عشرين سنةً) ([8])؛ وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم حينذاك ثامنةً وخمسين عاماً.
كانت رضي الله عنها ذات صبرٍ وعبادة، كثيرة الذكر لله عزوجل، ولعلّنا نستطيع أن نلمس ذلك من خلال الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على جويرية بنت الحارث وهي في مسجد، ثم مر النبي صلى الله عليه وسلم بها قريباً من نصف النهار، فقال لها: ما زلتِ على حالكِ، فقالت: نعم، قال ألا أعلمكِ كلماتٍ تقولينها: (سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته) ([9]).
لم تذكر لنا كتب الحديث إلا القليل من مرويّاتها، روت (7) أحاديث (4) منها في الكتب الستة، عند البخاري حديث، وعند مسلم حديثان.
حدث عنها ابن عباس، وكريب مولى ابن عباس، ومجاهد وآخرون، روت في الصوم بعدم تخصيص يوم الجمعة بالصوم، وفي ثواب التسبيح، والزكاة، وفي العتق ومن جملة ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن جويرية بنت الحرث رضي الله عنها قالت: (دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم جمعة وأنا صائمة فقال لي: أصمت أمس؟ قلت: لا قال: تريدين أن تصومي غدا؟ قلت: لا قال فأفطري) ([10]).
رحلت جُوَيْرِيَةُ، ورحلت معها صفحاتٌ من نور، وذكرياتٌ من طُهرٍ وحُبور، رحلت زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمُّ المؤمنين، سيدةٌ ما عرفت إلا الذكر، وما عاشت إلا للحق والدِّين، أسلمت حين كفر الناس، وصبرت حين جزع الأحرار، ورضيت بالله ربًّا، فرفعها الله في دار القرار، ما خرجت إلى الدنيا طالبة زينة، ولكن خرجت منها بحسن سكينة، كانت قليلةَ الكلام، كثيرةَ الذكر، ما بين تسبيحٍ واستغفار، حتى أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم في ميدان الأبرار، فيا قلبًا خاشعًا، ويا نفسًا طاهرة، ويا خُلقًا سابقًا في مضمار الطيّبات، سلامٌ عليكِ في الخالدات، فرحلت رضي الله عنها في زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان، سنة خمسين للهجرة، بعد حياةٍ كانت فيها مثالًا للنبيلة المؤمنة، والأسيرة الصابرة، والزوجة الصالحة، دفنت بالبقيع، وصلّى عليها مروان بن الحكم، والي المدينة آنذاك.
الدروس المستفادة من حياتها رضى الله عنها
لم تكن حياتها رضى الله عنها مجرّد قصة زواج، بل كانت صفحة مشرقة من صفحات الإسلام، تحوّل فيها الأسر إلى عتق، والخصومة إلى مصاهرة، والضّعف إلى قوّة إيمانية ولذا نقتبس من حياتها الآتي:
أولاً: القوّة في الإيمان رغم أنها أُسِرَت، لم تُظهِر شكوى، بل اختارت الإسلام عن قناعة، فصار إسلامها بركة على قومها، وأُعتق بسببها مئة من أهلها، فلا تبخلي يا أختاه أن تكوني سبباً لوجود البركة والعطاء في بيتك، بنتاً كنتِ أو زوجةً أو أماً.
ثانياً: العفّة والحكمة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات رزينة، متواضعة، فكان ردّه رحمة، تزوّجها ورفع بها قدرها، كما قال عبد الرحمن العشماوي:
|
طريقك للعفافِ هو الطريقُ |
|
طريقٌ لا يتيهُ ولا يضيق |
ثالثاً: التأثير الصامت لم تكن كثيرة الكلام، لكنها كانت كثيرة الذكر، كما قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم، (لقد قلتُ بعدك أربع كلمات، لو وُزنت بما قلتِ لوزنتهن…) ([11])، فكانت قدوة في الذِّكر والخشوع، فإياك أن تغفل، وإياكِ أن تغفلي قال الله (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) ([12]).
وقال الشاعر:
|
ومن يعش عن ذكر الإله فإنه |
|
قرين له الشيطان في داخل الصدر |
رابعاً: من بنت زعيم إلى أسيرة، ثم إلى أمٍّ للمؤمنين، ولم تعترض على قدر الله، بل أحسنت الظن به، فرفعها وأكرمها، فلتكن حياة السيّدة جويرية درسًا لنسائنا وبناتنا، في الثبات على المبادئ، والاعتزاز بالدين، وأن الله لا ينسى من أحسن النيّة، وإن قلّ فعله أو خفي أثره، فاجعلي لنفسك أثر، وأن قل الكلام والعلم، لا تكوني كالتي عرضت جسمها، فخسرت نفسها، وباعت عزَّها، واشترت وهمها، كشفت الغطاء عن حياء كان لها سترًا، فصارت كمن أشعل نارًا في قلبها جمرًا، جعلت الجمال مزادًا، والعفة رمادًا، فأي مجدٍ يُرتجى في زيف ينادى؟ أين أنتِ من جويرية؟ لم تُظهر جمالًا، بل أظهرت جلالًا، لم تغازل العيون بخطى ولا كلمات، بل خاطبتِ السماء بتسبيحات وطاعات، أختاه إن كان الجسد يعجب أعين الناس، فإن الحياء يعجِب ربَّ الناس، وإن كان الحسن يعلي صورتك في الدنيا، فإن الدِّين يُعلي قدرك في الآخرة، فلا تكوني كمن باعت أغلى ما تملك، بثمن بخس، في سوق خاسر، لأعين عابرة، وقلوبٍ لا تُبالي، بل كوني كجويرية رضى الله عنها، صوتُك ذكر، ولباسُك ستر، ونفسك فخر، وخُطاك أثر.
كما قال محذراً:
|
علم بلا عمل وَفعلٌ مُنكرُ |
|
وَفَواحشٌ مَشهورة لا تُحصَرُ |
(1) كان اسمها بره وغير اسمها النبي بعد اسلامها ذكره الذهبي رحمه الله 2/262، رواه مسلم من حديث ابن عباس كان اسمُ جُوَيريةَ بِنتِ الحارِثِ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَرَّةَ، فحوَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسمَها، فسمَّاها جُوَيريةَ.
(2) ذكر ابن يوسف الصالحي الشامي في كتاب سبيل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 4/345. قال الحافظ ابن عائذ : أخبرني محمد بن شعيب ، عن عبد الله بن زياد قال : أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم عام المريسيع في غزوة بني المصطلق جويرية بنت الحارث فأقبل أبوها في فدائها ، فلما كان بالعقيق نظر إلى إبله التي يفدي بها ابنته ، فرغب في بعيرين منها كانا من أفضلها ، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسائر الإبل، فقال : يا محمد ، أصبتم ابنتي ، وهذا فداؤها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق بشعب كذا ؟ »فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله ، ولقد كان مني في البعيرين ، وما اطلع على ذلك إلا الله تعالى ، فأسلم.
(3) الإصابة لابن حجر العسقلاني، ج: 1، ص: 281.
(4) وهو ابن عم لها يقال له مسافع بن صفوان بن ذي الشفر بن أبي سرح بن مالك بن جذيمة المصطلقي.
(5) قال ابن سعد: «المريسيع بئر لبني المصطلق كانوا ينزلون عليها، بينها وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد»، قال ياقوت: «المريسيع كأنه تصغير لمرسوع وهو الذي انسلقت عينه من السهر، وهو اسم ماء في ناحية قديد إلى الساحل». قال البكري: «المريسيع ماء بنجد في ديار بني المصطلق بن خزاعة، وهو من ناحية قديد إلى الشام.
(1) خطيب الأنصار كان من نجباء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يشهد بدرا، شهد أحدا، وبيعة الرضوان، ابن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، أبو محمد انظر للسير للذهبي 1/309.
(2) حديث صحيح رواه الإمام أحمد الجزء 43-الصفحة 384- ح 26365، ورواه البيهقي في السنن الكبرى: 9/74 وأخرجه أبو داود (3931).
(3) الطبقات الكبرى لابن سعد المجلد 8 ص 94.
(3) مسلم في صحيحه (2726) وأخرجه الترمذي (3555)، والنسائي (1352) باختلاف يسير.
([10]) رواه البخاري في صحيحه ح 1986، ومسند الإمام أحمد بن حنبل -الجزء 45-الصفحة 413-الرقم 27425.
(1) قد سبق تخريجه.
(1) سورة الزخرف الآية 36.