زينب بنت خزيمة رضى الله عنها
أم المؤمنين في سُطور النور، يسطع اسمها، وفي صفحات الطُهر، تُزهر سيرتها. زينب بنت خزيمة، أمّ المساكين، وملكة الإحسان، سيدةٌ جَبَلَ الله قلبها على الرحمة، ووشّحَها النبيّ بالحُبّ والاحترام، لم تكن فقط زوجةً لخير خلق الله، بل كانت قلبًا نابضًا بالعطاء، يدًا تمتدّ للفقراء، وصوتًا يهمس بالعطف في زمنٍ عزّ فيه الحنان، حياتها قصيرة كالعُمر الجميل، لكن أثرها باقٍ كأريج الطِيب في الذاكرة النبوية، وفي سجلّ الطيّبات من النساء، تسطع أسماءٌ بزهدها، وتتلألأ بفضلها، وتبقى خالدة في ذاكرة الأمة برحمةٍ زرعَتْها في القلوب قبل أن تُكتب في الكُتب، ومن بين تلك النجمات، تتألق زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، بعنوان سيرة عظيمة، وراية قلبٍ رقّ لكل فقير، وانحنى لكل محتاج، هي زوجة نبي، وأمٌّ لمؤمنين، لكن فضلها سبق منزلتها، إذ جمعت بين التقوى والعطاء، وبين الحياء والسخاء، فكانت مثالًا نادرًا لامرأةٍ آمنت فأنفقت، وأحبّت فأكرمت، ومضت في صمتٍ يجلجل في التاريخ، وإليك بعض من سيرتها:
الاسم: زينب التقية النقية وهي الزوجة الخامسة من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اسم الأب: خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو، الهلالية العامرية ذات النسب الأصيل والمنزلة العظيمة.
اسم الأم: هند بنت عوف بن الحارث بن حماطة الحميرية.
فزينب بنت خزيمة هي أقصر نساء النبي صلى الله عليه وسلم، مكثاً معه بعد زواجها، وأكثرهن شهرة بالعمل الصالح وعمل الخير، وأقلهن ذكراً في كتب السير، والتاريخ، ولا يعيبها، ولا ينتقص من قدرها أن يكون ذكرها بين الناس قليلاً، وحسبها أن يكون لها عند الله من الذكر والشأن ما هو لها بإذن الله، كانوا يقولون عن أمها هند بنت عوف، ما علمنا امرأة أكرم في العرب من هند بنت عوف ([1]).
تلقبت بأم المساكين ([2])، وهذه الصفة كانت في زينب رضى الله عنها قبل الإسلام، فكانت أبر من عرفنا من نساء العرب بالفقراء والمساكين، لا تعلم فقيراً، ولا محتاجاً أو يتيماً، ولا مقعداً، ولا امرأة عجوزاً إلا صنعت الطعام بيدها، وحملته إلى بيتها، وأطعمت الأيتام، وأطعمت المساكين، ولا تطيب نفسها حتى يرضى هؤلاء، وحتى ترى السعادة على وجوههم، وظلت هذه الصفة وظل هذا الخلق ملازماً لها في جاهليتها وفي إسلامها، فلما توفي عنها عبد الله بن جحش شهيداً في أحد ([3]).
إنّ من دلائل فضل الله على عباده أن يصطفي من يشاء ليرفعه، ويختار من عباده من يشرّفه بالقرب من خير خلقه، وهكذا كان الفضل العظيم الذي أسبغه الله تعالى على زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، فاصطفاها لتكون من زوجات نبيّه الكريم، وأمًّا من أمهات المؤمنين، في مقامٍ لا يُنال إلا بتقديرٍ ربّاني، ورحمةٍ إلهية، زينب المرأة الطاهرة، ذات القلب الرؤوف، التي عُرفت في الجاهلية والإسلام بلقبٍ يندر أن يُمنح (أمّ المساكين)، لم يكن زواجها من رسول الله مجرّد رابطة زوجية، بل كان وسام شرف ربّاني، ورفعةً في الدنيا والآخرة، رفع الله ذكرها، وأكرم منزلتها، وجعلها في بيت النبوة، بين نساء هنّ صفوة الصفوة، وخيرة الخلق، فكان فضل الله عليها عظيمًا، وثناؤه لها باقٍ، وسيرتها رغم قصرها، منبعٌ للرحمة، وعنوانٌ للعطاء، ونورٌ يُهتدى به، وفي رمضان على رأس واحد وثلاثين شهراً من الهجرة، كان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب به عوضاً لها عما وجدت، من ألم الفراق، أزواجها واحداً بعد الأخر خاصة، وقد قضى رجلان من أزواجها شهيدين، وهما الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف فطلَّقها، ثم عبيدة بن الحارث فقُتل عنها يوم بدر شهيدًا([4]) ، ثم عبدالله بن جحش رضى الله عنها، ومن ثم كان زواج رسول الله بها تعويضا، وتسلية لقلبها عن ذلك كله، ومقام السيدة زينب رضي الله عنها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدم طويلاً، فزواجها به لم يمتد طويلاً قيل ثمانية أشهر، ثم وافتها المنية رضى الله عنها وأرضاها.
مروياتها:
لم تنقل لنا كتب التاريخ والسير كثيراً عن حياتها رضي الله عنها، فقد كانت حياتها قصيرة جداً كأن من كرم ومنة الله عليها أن أختارها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لتنال لقب أم المؤمنين وتكون زوجاً له صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة رضى الله عنها وجمعنا الله بها في جنات النعيم.
لم تمكث أمُّ المؤمنين زينب بنت خزيمة عند رسول الله طويلاً؛ فقد لبثت عنده ثمانية أشهر ([5])، وقيل أقل من ذلك شهرين أو ثلاثة ([6])، عاشت رضي الله عنها قريرة العين، مطمئنة القلب بأن أصبحت زوجا لخير البرية صلى الله عليه وسلم، وأي فضل فوق هذا الفضل، وسبحان من طهرها وزكاها وزكى قلبها الذي ما كان للغيرة ولا مشاغل النساء تعرف إلى قلبها سبيلاً غمرت أهل الصفة الذين لازموا المسجد وعملوا على حراسة النبي صلى الله عليه وسلم، ببرها وعطفها وكرمها وإحسانها، وكانت رضي الله تعالى عنها ثاني زوجاته رحيلاً بعد أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها، وعمرها نحو ثلاثين سنة رضى الله عنها وأرضاها.
أول من دفن من أمهات المؤمنين في البقيع زينب بنت خزيمة رضى الله عنها ([7]) إلى جوار الأبرار الأطهار من الصحابة والأخيار الذين سبقوها إلى دار السلام، ولنعم دار المتقين ولم يسبقها بالموت في حياة رسول الله أحد إلا خديجة بنت خولد رضى الله عنها التي دفنت بالحجون في مكة، وقد كان موتها أليماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقدت في سلام كما عاشت في سلام، وصلى عليها النبي عليه الصلاة والسلام، ودفنها بالبقيع في شهر ربيع الآخر سنة أربع من الهجرة المباركة، بعدما أتمت الثلاثين من عمرها، فكانت أول من دفن فيه من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
الدروس والتربية من زينب بنت خزيمة رضى الله عنها
اشتهرت بصفات عظيمة رغم قِصر مدة حياتها معه، يمكن لبناتنا اليوم أن يستلهمن منها العديد من الدروس البليغة منها:
أولاً: الرحمة بالضعفاء: لُقبت بـ (أم المساكين) لكثرة عطائها وحنانها على الفقراء، فكانت نموذجًا يُحتذى به في العطاء والرأفة بالناس فكوني على طريها وجادتها، فيحشر المرء مع من أحب، ودليل الحب الامتثال وأخذ القدوة كما قيل:
تَعصي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ هَذا مَحالٌ في القِياسِ بَديعُ
لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لَأَطَعتَهُ إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ
ثانياً: المبادرة لفعل الخير لم تنتظر أن تُطلب منها المساعدة، بل كانت سبّاقة إلى مدّ يد العون لمن حولها، في صمت وتواضع، وهذا هو العمل الخفي الذي يحبه الله كما قال تعالى (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) ([8])، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة) ([9]).
كما قال الشاعر:
|
استثمر الخير في دنياك واجتهد |
|
ولا تبال بداعي الشر والحسد |
ثالثاً: الجمع بين الجمال والأخلاق كانت جميلة الخَلق والخُلق، وهذا يعلّمنا أن الجمال الحقيقي هو جمال الروح والعمل الصالح، فإياك والغرور على من حولك فرغم جمالها وخُلقها غير أنها كانت صاحبة حياء وتواضع كانت من النساء العفيفات المتواضعات، لا تطلب الشهرة ولا تلهث وراء الأضواء، بل كان همّها رضا الله فقط، ولذا قال المناوي رحمه الله :( المدح يورث العجب والكبر وهو مهلك كالذبح فلذلك شبه به ، قال الغزالي رحمه الله : فمن صنع بك معروفا فإن كان ممن يحب الشكر والثناء فلا تمدحه ؛ لأن قضاء حقه أن لا تقره على الظلم وطلبه للشكر ظلم ، وإلا فأظهر شكره ليزداد رغبة في الخير)([10]).
وكما قيل:
تواضع لربِّ العرش ِ علَّك تُرفعُ فما خاب عبدٌ للمهيمن يخضع.
رابعاً: مكانة المرأة المؤمنة زينب رضي الله عنها نالت شرف أن تكون من أمهات المؤمنين، وهذا يبين كيف أن التقوى والعمل الصالح يرفعان المرأة إلى أعلى المقامات، وقصر العمر لا يمنع الأثر في حياتك، فتوفيت رضي الله عنها بعد أشهر قليلة من زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكنها بقيت في الذاكرة الإسلامية مثالًا في الإحسان والفضل، وهذا يُلهم الفتيات أن العبرة ليست بطول العمر، بل بعمق الأثر.
نتعلم العمل العام وقضاء حاجات المساكين، وعمل الخير ونشر الخير في المجتمع، ورعاية الفقراء والمساكين والمحتاجين والأيتام، ولا يمنع أن تكون المرأة زوجة وأم، وأن تكون في نفس الوقت شريفة بهذا العمل الذي يقربها إلى الله، وأن تكون إلى هؤلاء حيث هم، وأن ترعى شؤونهم بنفسها، فقد كانت تقوم على ذلك بيدها هي التي تعد الطعام لهؤلاء، وهي التي تحمله، وهي التي تطعمهم وهي التي تصلح شؤونهم، وهي التي تقوم على حاجاتهم، فأي امرأة هذه شابة في ريعان الشباب ثم يكون شغلها الشاغل في حياتها أن ترعى الفقراء والمساكين، فهذا هو النموذج الذي يحتذى به وليس النموذج الذي على شاشات مواقع التواصل من العري والخزي وقلة الدين وعدم مراقبة رب العالمين والبحث عن الشهرة والمال، ونسيان الحقيقة الغائبة ألا وهي الموت الذي يأتي بغتة ولا يستأذن أحد كما قال تعالى (فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)([11]).
وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرجلٍ وهو يَعِظُه: اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: (شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك) ([12]).
وكما قال أحدهم:
|
نعلل بالدواء إذا مرضنا فهل |
|
يشفي من الموت الدواء
|