زينب بنت جحش رضى الله عنها
في طُهر النبوة صفحاتٌ لا تشيب، وفي سيرة الطاهرات عبرٌ لا تغيب، ومن بين تلك النجوم الزاهرة، تلمع زينب بنت جحش، امرأةٌ جمعت بين شرف النسب، وصدق القلب، وعظمة الابتلاء، وسموّ العطاء، هي التي نزل في أمرها قرآن يُتلى، وشهد لها العليم الخبير بالتقوى، فحق لها أن تذكر، ويكتب اسمُها في سجل العارفات الصادقات، لا بمداد الحبر، بل بنور الإيمان، رفعت رأسها بالإسلام، وثبّتت قدمها في دار النبوة، لا طمعًا ولا رجاء، بل طاعةً ورضا بقضاء، وهي زينب التي كُسرت لتُجبر، وابتُليت لتُطهَّر، فكانت في الامتحان آية، وفي الثبات رواية، وفي الصدق راية، فيا قارئ السطور أمهل قلبك عند سيرتها، فإنك مقبلٌ على امرأةٍ أحبّها الله من فوق سبع سماوات، وذكرها في محكم الآيات، فهنيئًا لمن نصب القلم لمداد سيرتها، وسار بين حروفها ينهل من حكمتها رضى الله عنها وها هي أم المؤمنين:
الاسم: زينب.
اسم الأب: جَحْش بْنِ رِيَاب بْنِ يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ.
اسم الأم: أميمة بِنْت عَبْد المُطَّلِب بْن هاشم بن عبد مناف بن قصي؛ هي عمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
مولدها: وُلدت سنة 33ق هـ، وكان اسمها "برَّة"، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم (زينب) ([1]).
تُكنى: أم الحكم، وهي إحدى المهاجرات الأول رضى الله عنها.
فزينب رضى الله عنها من قبيلة عربية أصيلة عريقة النسب، وأمها قُرشية، وكان سيدهم وكبيرهم هو (عبد الله بن جحش) أخو السيدة زينب، فدخل عبد الله إلى الإسلام في أول الأمر، ودخل معه الإسلام سائر بني جحش، فأسلم (عبد الله بن جحش) ([2])، وأسلم أخوه الذي كان أسن منه، وكان كلاهما من السابقين إلى الإسلام، ثم كان من إسلام النساء أيضا (زينب رضي الله) و(حمنة بنت جحش) ([3]).
أسلمت زينب بنت جحش قديماً وبايعت، وقيل بأنها هاجرت إلى الحبشة، ثم عادت إلى مكة، حيث ذكر كتاب (شهداء الإسلام في عهد النبوة) ([4]) ما نصه: (وكان على رأس بني جحش عبد الله بن جحش سيد الحي، دعا رسول الله دعوته فآمن به قبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم ثم أمرهم رسول الله بالهجرة إلى الحبشة فهاجر هو وأخوه أبو أحمد وأخواتهما زينب وحمنة وأم حبيبة ثم حين عادوا إلى مكة أمرهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالهجرة إلى يثرب فهاجر الحي بأكمله، من ذهب منهم إلى الحبشة ومن لم يذهب) ([5]).
زواج زيد بن حارثة من زينب بنت جحش رضي الله عنها هو من المحطات العظيمة في السيرة النبوية، ليس فقط لأنه زواج، بل لأنه حمل في طياته تشريعًا إلهيًا وتحديًا لعادات الجاهلية، التي كانت تفرّق بين الحر والعبد، والشريف والمولى، ففي مشهدٍ تجاوز أعراف الناس وأهواءهم، زُوّجت زينب بنت جحش القرشية ذات الحسب والنسب، من زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون ذلك الزواج بيانًا حيًا أن التفاضل ليس بالحسب والنسب، بل بالتقوى، وأن الإسلام لا يُقيم للطبقية الجاهلية وزنًا، بل يعلو بالناس حين يرضون بحكم الله، لم يكن زواج زينب من زيد زواج رغبة، بل زواج حكمة؛ أمر به النبي صلى الله عليه وسلم بوحي السماء، ليهدم ما بقي من رواسب الجاهلية في قلوب بعض المسلمين، الذين ما زالوا يرون في المولى دونية، فاستشارت زينب رسول صلى الله عليه وسلم، وهي ابنة عمته فأشار عليها رسول الله أن تتزوج زيداً، فأطاعت زينب رضى الله عنها، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)([6])، وهي الصادقة المؤمنة، وقبلت الزواج طاعةً لله ورسوله، وأن المقامات تُبنى على الطاعة لا على النسب، لكن القلوب لا تُجبر كما تُجبر الأجساد، ولم تدم العشرة بينهما، فوقع الطلاق، وكان ذلك تمهيدًا لحكم عظيم في التشريع، زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب، زوجة من تبنّاه، ليُبطل الله بذلك (التبنّي)([7]).
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد قبل تحريم الإسلام للتبني، ولكم القصة بطولها كما ذكرها ابن حجر في كتابه الماتع (الإصابة في معرفة الصحابة)([8]) قصة تبنِّي النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة رضي الله عنه فقال: (زارت سُعْدَى أم زيد بن حارثة قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على أبيات بني مِعن، فاحتملوا زيداً وهو غلام، فأتوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبتْه له، قال: فحجَّ ناس من كلب (قبيلته)، فرأوا زيداً فعرفهم وعرفوه، فقال: أبلغوا أهلي، فانطلقوا فأعلموا أباه ووصفوا له موضعاً، فخرج حارثة وكعب أخوه بفدائه، فقدِما مكة فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حَرَم الله، تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عبدك، فامنن علينا وأحسن في فدائه فإنا سندفع لك، قال: وما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال: أوَ غير ذلك؟ ادعوه فخيِّروه، فإنِ اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء، قالوا: زدتنا على النَصف (الإنصاف)، فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: فأنا منْ قدْ علِمْتَ، وقد رأيتَ صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك، قال: نعم، إني قد رأيتُ من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحِجْر فقال: اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا، فدُعِيَ زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام)([9]).
لقد كان التبني معمولاً به قبل الإسلام ثم نُسِخ وحُرِّم، قال ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ )([10]) هذا هو المقصود بالنسخ، فإنها نزلت في شأن (زيد بن حارثة) مولى النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنَّاه قبل النبوة، وكان يقال له (زيد بن محمد) فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُم)([11]) كما قال في أثناء السورة: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)([12]) وقال هاهنا ( ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ)([13]) يعني: تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابناً حقيقياً، فإنه مخلوق من صُلْب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان، وقال القرطبي([14]): وقال النحاس([15]) ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: (ما كُنَّا ندعو زيدَ بن حارثةَ إلا زيد بن محمدٍ، حتى نزل في القرآن)([16]) (ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ (([17]) رواه مسلم.
أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيداً سيطلق زينب، وأنه سيزوجه إياها أي (يزوج اللهُ رسولَه من زينب بعد زيد)، مكثت زينب عند زيد قريباً من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما الخلاف، فهم زيد بتطليقها، فرده النبي قائلا: (أمسك عليك زوجك واتق الله)([18])، قال أبو بكر بن العربي: إنما قال عليه الصلاة والسلام لزيد أمسك عليك زوجك، اختباراً لما عنده من الرغبة فيها أو عنها، فلما أطلعه زيدٌ على ما عنده منها من النفرة التي نشأت من تعاظمها عليه أذن له في طلاقها، فأنزل الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)([19])، أي : إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك: لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وجاء في بعض الروايات أن النبي كان جالسا يتحدث مع عائشة، فأخذته غشية، فسري عنه، وهو يبتسم ويقول: (من يذهب إلى زينب، ويبشرها أن الله قد زوجنيها من السماء)([20]) وروي أن النبي أرسل زيد بن حارثة لزينب، وقال له: (ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، اذهب، فاذكرني لها)([21])، يقول زيد: (فلما قال ذلك عظمت في نفسي، فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب، فقلت: يا زينب أبشري، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبك)([22])، ففرحت بذلك، وقالت: (ما أنا بصانعة شيئا، أو ما كنت لأحدث شيئا، حتى أؤامر([23]) ربي عز وجل)([24]) فقامت إلى مسجد لها فصلت ركعتين، وناجت ربها، فقالت: اللهم إن رسولك يخطبني، فإن كنت أهلا له، فزوجني منه([25])، وكان زواجها من رسول الله لهلال ذي القعدة (سنة 5 هــ)، وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة، وقيل: (متى تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش قيل سنة 3 هجرية وقيل 4 من الهجرة) رضى الله عنها ([26]).
من مناقبها أنها كانت ورعةً قوّامة، تديم الصيام، كثيرة التصدق وفعل الخير، وكانت من صُنَّاع اليد، تدبغ وتخرز، ثم تتصدَّق بثمن ذلك.
- قد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على كثرة تصدقها وكنَّى عن ذلك بطول يدها، فعن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أسرعكن لحاقاً بي أطولكنَّ يداً، قالت فكنَّ يتطاولن أيتهنَّ أطول يداً، قالت: فكانت أطولنا يداً زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق) ([27]).
- وعندما سألها النبي في حادثة الإفك عن عائشة فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً، قالت عائشة: (وهي التي كانت تساميني تعاليني وتفاخرني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع) ([28]).
- وقالت عائشة رضى الله عنها: (ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى) ([29]).
-
علم زينب بنت جحش:
- بلغت مروياتها وفق كتاب بقي بن مخلد (أحد عشر حديثًا) ([30])، ولها في الكتب الستة خمسة أحاديث ([31])، اتفق لها البخاري ومسلم على حديثين.
- أشهر من روى عنها: ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم المؤمنين أم حبيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وأرسل عنها القاسم بن محمد.
- رغم أن مروياتها قليلة بالمقارنة بما ذكرنا من مرويات أمهات المؤمنين، إلا أنها صاحبة رواية خروج يأجوج ومأجوج ([32])، وما صح واشتهر في هذا الجانب مروي عنها، كما أن حديثها في الاستحاضة معروف.
- وروت أيضًا في إحداد المرأة على غير زوجها وهو مما اتفق عليه ([33]).
- وروت في الطهارة في باب الوضوء، وفي بول الغلام وبول الجارية، وهو في غير الكتب الستة.
بعض كلام المغرضين والرد عليها
أولاً: بطلان القرآن لكلام المنافقين بعد زواج النبي من زينب بنت جحش، تكلم المنافقون، فقالوا: حرم محمد نساء الولد، وقد تزوج امرأة ابنه!
فنزل الوحي يبطل قولهم بقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ([34]).
ثانياً: إذا كان الله يعلم أن زواج زيد بزينب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد صلى الله عليه وسلم، فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟!!
أمر الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم بتزوج زينب بعد طلاق من زيد لها فيه حكمة عظيمة، وهي تقرير إبطال التبني تقريراً عملياً من الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يعلم الجميع أن الابن من التبني ليس له أحكام الابن من الصلب، فزوجة الابن من التبني حلال لمن تبناه، وهذه الحكمة تفوت لو أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج زينب ابتداءً.
بعض القصاص الذين ينسجون الحكايات الخيالية، وكانوا يملؤون بها المجالس يثيرون بها اهتمام الناس، لعلمهم فطرة الناس في حب الحكايات، قد نسجوا حكايات لا تستقيم شرعاً من حيث المعنى، ولا سنداً من حيث الإسناد، لا تصح متناً ولا سنداً، مثال ذلك: قالوا: (أن رسول الله كان عند زيد وحاشاه، وأن الريح هاجت وكشفت الستار عن زينب فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبته، فعلمت زينب ذلك، فذكرته لزيد فلما علم زيد أنها وقعت في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقها ليتزوجها رسول الله) وهذه من الأكاذيب، وظلمات بعضها فوق بعض.
والرد: إنّ الطاعنين في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، ما طعنوا في هذا الزواج لغيرةٍ على الفضيلة، ولكنهم طعنوا لأن الحق أزعجهم، ولأن نور النبوة فضح ظلمات قلوبهم، فما كان زواج النبي بزينب شهوة، حاشاه! وهو الذي عاش عفيف النفس، زاهد القلب، لا تسيّره الأهواء، بل يسير به الوحي ويهديه ربّ السماء، وما كانت زينب بغريبة عليه، فهي بنت عمّته، وقد رآها قبل زواجها، ولم تُخفَ عليه سيرتها ولا صورتها، فلو أرادها لنكحها من أول الأمر، ولكنّه زوّجها من زيد طاعةً لأمر الله، وتحقيقًا لحكمته، وإنما زواجه بها جاء بأمر من السماء، لا بهوى من الأرض، قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيٓ أَزْوَٰجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرًا)([35]) فكان زواجه منها تشريعًا يُبطل جاهلية التبنّي، ويقيم مقام الحق مقامًا لا تدوسه العادات، ويكسر قيدًا ثقيلًا على الناس، أن لا يتزوج الرجل زوجة من تبنّاه، كأنها محرّمة عليه، وهي ليست من صلبه، وهل يُعقل أن يُتهم بالهوى من نزلت آية تزوجه من السماء؟!
وهل يُطعن في نبيٍّ خاف قول الناس، فعاتبه ربّه على خوفه؟ (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ) ([36]) بل كان هذا الزواج أعظم برهان على صدق نبوته، إذ لا يُشرّع لنفسه، بل يُملي عليه الوحي، ويبتليه ربّه بما يكرهه الناس، ليكون أمر الله فوق ألسنة الطاعنين، فيا من تطعنون في أطهر قلب، أما آن لكم أن تخضعوا لما خضع له الكون؟
أما آن للبصائر أن تنفتح، وتعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ما نطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحى صلى الله وسلم عليه ورضى الله عن أمنا زينب بنت جحش.
هكذا طُويت صفحة من صفحات النقاء، وسَكنت أمُّ المؤمنين دار البقاء، رحلت زينب بنت جحش رضي الله عنها في هدوء، كما عاشت في حياء، وسبقت بقلبها الخاشع إلى رحمة رب الأرض والسماء، رحلت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لحوقًا به، فلم تُبقِ من الدنيا إلا أثرًا طيبًا، وسيرةً عطرة، ومواقف تكتب بماء الإخلاص والتقوى، رحلت زينب… التي كانت تمدّ يدها للفقير، قبل أن ترفعها في الدعاء، وتُؤثر غيرها وهي ذات قلة، وتُنفق بسخاء وكأن الدنيا لا تعني لها شيئًا، حتى قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا)([37])، فكانت أطولهن يدًا بالبذل، لا بالجسد، وبالفضل لا بالعدد، فما أحوج فتياتنا اليوم إلى صدق زينب، وزهدها، واستسلامها لقضاء ربها، وحياءٍ يعلو على الجمال، وقلبٍ لا يتقلّب مع الأهواء، إن في سيرة زينب عبرةً للصابرات، وقدوةً للعفيفات، ومدرسةً في الرضا والخضوع لأمر الله، حين تتقاطع المشاعر مع الطاعة، وتتعانق الدموع مع الإيمان، فسلامٌ على زينب في الخالدين، وسلامٌ على كل قلبٍ أحبّها واهتدى بهديها، وجعلها مناراتٍ تسير بها النساء في دروب الطهر والثبات، عاشت زينب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة سبع سنين، وجاء الأجل المحتوم في عام عشرين للهجرة المشرفة، قضى الله عز وجل أمره، وقبض أمنا زينب بنت جحش، هذه المرأة الصالحة البارة الطائعة الصوامة القوامة المتصدقة، وكانت وفاتها في خلافة عمر رضي الله عنه، فصلى عليها عمر ودفنها في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبعها من المؤمنين يومئذ حشد كبير فرضى الله عنها وجعلنا الله خير خلف لخير سلف.
(1) السيرة والشمائل المجلد الأول
(1) قد تقدم الكلام عنه رضى الله عنه.
(1) تهذيب الكمال في أسماء الرجال 35/128،
[4] كتاب في التراجم والمناقب والتاريخ، جمع المصنف فيه جملة من شهداء الإسلام الأوائل في العهد النبوي، يذكر نشأتهم وبداية إسلامهم، وتضحياتهم وجهادهم في سبيل الله للكاتب علي سامي النشار.
(1) المصدر نفسه.
([6]) سورة الأحزاب الآية 36
(1) التبني بمعنى أن يضم أحد الناس طفلا إلى نسبه، ويجعله كولده، ويعطيه اسمه ولقبه أمر حرمه الإسلام، وشدد في تحريمه، وأن التبني بهذا المفهوم لا يغير الحقيقة أبدا، ولا يلحق المتبنى بمن تبناه، وسيظل لهذا نسبه، ولذاك نسبه،
([8]) ابن حجر العسقلاني وهو كتاب مطبوع عدت أجاز يتحدث فيه ابن حجر رحمه الله عن الصحابة بالتفصيل.
(1) التفسير المنير لوهبة الزحيلي المجلد 21 صفحة 240، صفة الصفوة صفحة 144، الإصابة في تمييز الصحابة لإبن حجر العسقلاني (ج2 / ص496)
(1) سورة الأحزاب الآية 4
([11]) سورة الأحزاب الآية 4
([12]) سورة الأحزاب الآية 40
([13]) سورة الأحزاب الآية 4
([14]) تفسير القرطبي 14/119..
([15]) أبو جعفر النحاس (نحوي وعالم علوم قرآن مصري (تفسير القرطبي: 14 / 119)
([16]) عن عبد الله بن عمر/ صحيح مسلم - ح 2425
([17]) سورة الأحزاب الآية 5
([18]) عن عائشة أم المؤمنين/ سنن الترمذي ح 3207
([19]) سورة الأحزاب الآية 37
([20]) المستدرك على الصحيحين للحاكم 5/31.
([21]) أخرجه مسلم 2/ 1048- 1049 ح: 1428) من حديث أنس رضي الله عنه.
([22]) كتاب تفسير الثعلبي، الكشف والبيان في تفسير القرآن ط دار التفسير، الباب 37 , الصفحة 453/21
([23]) أؤامر: أي أشاور وأستخير قبل مواقعة الأمر. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير 1/ 65 - 67 باب (أمر).
([24]) كتاب تفسير الثعلبي، الكشف والبيان في تفسير القرآن ط دار التفسير، الباب 37 , الصفحة 453/21
([25]) تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس (الديار بكري) القسم: السيرة النبوية، الباب: تزوج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش 501/1
(4) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 2/52.
(5) أخرجه البخاري (1420)، ومسلم (2452) بمعناه.
(6) صحيح البخاري ح 2661، وأخرجه مسلم (2770)، وأحمد (25623)، والنسائي في ((الكبرى)) (8882)
(1) صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم 2442
(2) تلقيح المفهوم، ابن الجوزي "ص٣٧٠".
(3) تحفة الأشراف للمزي "١١/ ٣٢١- ٣٢٣".
(4) صحيح البخاري "٤/ ٣٢٧"، الفتن، خروج يأجوج ومأجوج، حديث رقم "٧١٣٥".
(5) وصحيح البخاري "١/ ٣٩٥"، الجنائز، إحداد المرأة على غير زوجها، حديث رقم "١٢٨٢"
([34]) سورة الأحزاب الآية 40
(1) الأحزاب: 37.
(1) الأحزاب 37.
(1) تقدم تخريجه.