أم المؤمنين صفية بنت حيي رضى الله عنها بقلم هاني يوسف

2026-01-24

أم المؤمنين صفية بنت حيي رضى الله عنها بقلم هاني يوسف

صفية بنت حيي رضى الله عنها

 في سِفر النساء الخالدات، تلوح أسماءٌ نقشها التاريخُ على صفحات المجد، لا بالحبر، بل بالمواقف، ولا بالكلمات، بل بالثبات والإيمان، ومن بين تلك الأسماء، يسطع نجم امرأةٍ خاضت تحوّلات الحياة بين قصر الملوك وخيمة النبوة، بين ظلال اليَهود ومآل الإيمان، فاختارت الإسلام نورًا، والصدق طريقًا، والوفاء عنوانًا، إنها صفيّة بنت حُييّ بن أخطب رضي الله عنها، تلك التي خلعت عنها ثياب الملك الدنيوي، ولبست تاج الطهر الإيماني، فانتقلت من بيت قومٍ نقضوا العهد، إلى بيت النبوة الذي لا يدخله إلا الأطهار، أسلمت بقلبٍ صادق، وتحلت بالحكمة والصبر، فكانت مثالًا نادرًا لامرأةٍ جمعت بين شرف النسب، ونبل النفس، وسمو الإيمان، وفي هذه الكلمات والأسطر نقف عند سيرة صفية وقفات متأملة، نستعرض ملامح حياتها، ومواقفها الخالدة، لا لمجرد السرد، بل لاستخلاص الدروس التي تحتاجها نساؤنا، والتأمّل في قيم نادرة صنعت من امرأة هي مدرسة في الصبر، والحكمة، والولاء للدين.، إنها:

اسمها: صفية.

أبوها: حيي بن أخطب سيد بني النضير.

أمها: برة بنت سموءل من بني قريظة. 

وُلدت صفية بنت حيي في بيت من بيوت زعماء اليهود، وكان والدها سيد بني النضير، من أكثر الناس عداوة لرسول صلى الله عليه وسلم تربّت صفية على عزة قومها وكبريائهم، تحفظ التوراة، وتفخر بنسبها الذي يمتد إلى نبي الله هارون عليه السلام، لكن قلبها، رغم ما شُحن به من مواقف قومها، كان يحمل نورًا ينتظر لحظة الانكشاف، كانت تسمع عن محمد صلى الله عليه وسلم، وترى في وجهه الحق، وإن لم يُصرّح به لسانها، وحين وقعت في الأسر بعد غزوة خيبر، لم تكن مجرد أسيرة، بل كانت نفسًا تتأهب للانعتاق ([1])، من قيود الجاهلية.

صفية رضى الله عنها رغم صغر سنها تزوجت مرتين قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأول: فكانت للشاعر اليهودي، وفارسهم وأحد من أكبر زعمائهم، (سلام بن مشكم)، ثم طلقها.

 الثاني: فما لبثت أن تزوجت بعده (كنانة بن أبي الحقيق)، وكان من سادات قومه، وكان سيداً على أحد حصون خيبر، وهو حصن أبي الحقيق.

 لم يكن يهود خيبر كبقية أهل الكتاب، بل كانوا بقايا الغدر والفتنة، ممن ورثوا الحسد من سلفهم، فملأوا قلوبهم غلاً للإسلام، وكيدًا لرسوله، رغم ما عاهدهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من المواثيق والاتفاقات، لم يعرفوا للميثاق حرمة، ولا للعهد قيمة. ففي كل مرةٍ كانوا ينقضون العهد خفية، ويتآمرون علانية، كما قال تعالى ( الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ)([2])؛ ينسجون خيوط الغدر مع المشركين، ويحرّضون القبائل على المدينة، حتى كان لهم يدٌ خفية في جمع الأحزاب يوم الخندق، وكان خيبر معقلًا من معاقل الفتنة، ومأوى للناقضين، يؤوون فيه كل من عادى الله ورسوله، كما قال تعالى  (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ )([3]) يخططون في الظلام، ويشعلون نار الفتنة بألسنتهم وأموالهم، كما قال تعالى (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)([4])، فلما اشتد أذاهم، وجب الحسم، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش من خيرة الصحابة، حتى أزال الله به شوكتهم، وكسر حصونهم، وبدّد جموعهم، وردّ كيدهم في نحورهم، وهكذا سقطت خيبر، لا ظلمًا ولا اعتداء، بل جزاءً لنقض العهود.

ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينقض عهداً أو يخون أمراً، ولكن عندما اشتد أذاهم، وجب الحسم، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش من خيرة الصحابة، حتى أزال الله به شوكتهم، وكسر حصونهم، وبدّد جموعهم، وردّ كيدهم في نحورهم، وهكذا سقطت خيبر، في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام السابع للهجرة، تقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه نحو خيبر، تلك القلعة الحصينة التي تحصّن فيها اليهود، ظانّين أن جدرانها المنيعة ستحول دون الحق، وأن حقدهم القديم سيمنع النور من أن يشرق بين صخورها السوداء، ضرب المسلمون الحصار على الحصون، وكانت خيبر تُقسم إلى قلاع متماسكة، أشدّها (حصن القَمُوص)، الذي احتمت فيه صفية بنت حيي، ابنة سيد بني النضير، وفلول المقاتلين، ولكن ما هي إلا أيام حتى انفرجت أبواب الحصون أمام عزيمة لا تلين، وراية لا تسقط.

بعد أن فُتحت حصون خيبر واحدة تلو الأخرى، ودخل المسلمون (حصن القَمُوص) أحد أعظم حصون اليهود، وقعت صفية بنت حيي في السبي، وهي يومئذٍ زوجة (كنانة بن أبي الحُقيق)، الذي قتل في نفس المعركة، وسيدة من سادات بني النضير، ذات حسب ونسب، وجمال ووقار، أُتي بها إلى الصحابي الجليل (دحية الكلبي) ([5]) رضي الله عنه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه حق الاختيار من السبي، فلما رأى صفية طلبها، فأُعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقيل له: يا رسول الله، إنها لا تَصلح إلا لك، إنها سيدة، بنت ملك وزوجة ملك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تُسترد من دحية، وعرض عليها الإسلام، فأسلمت طواعيةً، بقلب خاشع ونفس مطمئنة، فخيّرها النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تعود إلى قومها أو أن يتزوجها، فاختارت رسول الله، فاعتقها وتزوجها، وجعل عتقها مهرها، تكريمًا لها، ورفعًا لشأنها ([6]) .

 تحوّلت صفية من سبية إلى زوجة نبي، ومن بيت العداوة إلى بيت النبوة، فكانت قصتها شاهدًا على أن الإسلام لا يُهين النساء، بل يرفعهن، ويمنحهن المكانة والكرامة، مهما كان ماضيهن أو نسبهن، بعدما وقعت صفية في السبي كما مر معنا، وكانت من اختيار الصحابي الجليل ثم أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وها هو أنس بن مالك يقص لنا الخبر بطوله قائلاً: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذُكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها وكانت عروساً، فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، حتى إذا كان بالطريق جهّزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروساً فقال: من كان عنده شيء فليأتِ به، فجعل الرجل يجيء بالتمر، وآخر يجيء بالسمن، وثالثٌ بالسويق، فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحوِّي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب )([7]) ؛ فنالت الشرف العظيم بزواجها برسول الله صلى الله عليه وسلم فانتقلت من بيت عداوة إلى بيت النبوة، ومن ظلال قوم صدّوا عن سبيل الله إلى نور بيت الوحي، وعاشت صفية رضى الله عنها في رحاب الإسلام أمًّا للمؤمنين، رقيقة القلب، طيبة النفس، وكان عمرها حينذاك سبعة عشر سنة رضى الله عنها ([8])، ما أعظم الشرف وما أسمى المنزلة حين يختار سيد الخلق امرأة لتكون في كنفه، لا أَمةً تُخدَم، بل زوجةً تُكرَّم، أماً للمؤمنين، وسيدة من سيدات الإسلام، أكرمها الله بزواجها من نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد أراد الله أن يري أهل الأرض أن الكرامة ليست في الدماء ولا في الجاه، بل في الإسلام والإيمان، وأن المرأة لا ترفعها القبائل، بل يرفعها الدين والنبي الكريم، واختارها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا لهواً ولا طمعاً، بل لحكمة ورحمة، فجعل من زواجها ميثاقًا كريمًا، لا يحمل ذكريات الأسر، بل ينقش في تاريخ السيرة صفحةً من العدل والرحمة والكرامة، فيا لَشرفِ صفية! رضي الله عنها، ارتفعت بالإيمان، وسمَت بزواجها من سيد ولد آدم، فصارت قدوةً في الطهر، وعنوانًا في الكرامة، ودليلًا على أن الإسلام لا يطفئ نور المرأة، بل يشرق بها في سماء الخلود رضى الله عنها.

  • كانت رضى الله عنها من سيدات النساء عبادة وورعاً وزهادة وبراً وصدقة كما كانت شريفة عاقلة، ذات حسب، وجمال، ودين رضي الله عنها وأرضاه ([9]).
  • كان صداقها عتقها فقال ثابت لأنس: (ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها) ([10]).
  • عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: فما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة أني ابنة يهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإنك لابنة نبي، وأن عمك لنبي ([11])، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟ ثم قال: اتقي الله يا حفصة) ([12]).
  • قال ابن القيم: (وهذا من خصائصها رضي الله عنها) وقد تضمن بياناً لمكانتها وجبراً لخاطرها ([13]).
  • من مواقفها أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها، فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان قالت: اذهبي فأنت حرة ([14]).

كيف يُعقل أن نبيًا يُفترض فيه الرحمة والخلق العظيم، يتزوج امرأة سُبيت لتوها، قُتل زوجها وأهلها، ثم يدخل بها في اليوم نفسه أو بعد أيام قلائل؟! أين إنسانية هذا التصرف؟! وكيف يُقال إنه احترم مشاعرها وهي في حالة صدمة وألم؟ أليس ذلك من قبيل استغلال حالة الضعف؟! ثم أليس في ذلك خرق لأحكام العدّة؟! كيف يتم الدخول بامرأة قبل أن تتطهر من عدّتها الشرعية؟!

هذه الشبهة تُطرح غالبًا بعبارات انفعالية لإثارة القارئ، وتنبيه السامع وخاصة في عالم المواقع الذين يظنون أنهم جاءوا بما لم يأت به الأوائل، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولكنها سرعان ما تنهار هذه الشبهة أمام النصوص الصحيحة والعقل المتجرد.

شبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بصفية بنت حيي رضي الله عنها وهي في عدّتها، شبهة واهية مردودة، لا تقوم على علم ولا دراية بأحكام الشريعة ولا بسياق السيرة النبوية، إليك ردًا دقيقًا، يجمع بين التحقيق الشرعي والبيان العربي لمن كان له قلب أو ألقى السمع، ليس في سيرة رسول صلى الله عليه وسلم موضع يُطعن فيه على طهارته، ولا على فقهه، ولا على عدله، فهو الذي بُعث بتشريع يعلّم الناس الحلال والحرام، ويُبَيِّن لهم أحكام العِدة والنكاح والطلاق والوفاة، فكيف يُظَنُّ به أن يخالف ما أوحي إليه، أو يُقدِم على نكاح من لم تَبرأ رَحِمُها؟

أولاً: فصفية بنت حيي رضي الله عنها، وقعت في السبي بعد مقتل زوجها، (كنانة بن أبي الحُقيق)، في يوم فتح خيبر، فأُخذت من بين السبايا، وعُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم فاحتجب عنها أولاً، ثم عرض عليها الإسلام، فأسلمت، فاختارها لنفسه، ولم يدخل بها إلا بعد أن استبرأ رحمها، كما حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تُوطَأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) ([15]).

ثانياً: وقد جاء أن صفية رضي الله عنها حاضت قبل أن يدخل بها النبي صلى الله عليه وسلم، ([16])، فدل ذلك على براءة رحمها، وثبوت الاستبراء، وتمام العدّة الشرعية، التي لا تُطلب من سبيٍّ لا يُعرف له حمل، بل زاد النبي صلى الله عليه وسلم في تكريمها، فلم يجعلها أَمَة، بل أعتقها وجعل عتقها صداقها ([17])، فارتفعت من السبي إلى السيادة، ومن الرق إلى الحظوة النبوية، ومن العداوة إلى جوار الرحمة، فأيّ طعن يُوجه بعد هذا، إلا من قلب قد أعمته البغضاء، أو نفس تأبى أن ترى النور؟!

ثالثاً: فقد جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذُكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروساً، فاصطفاها لنفسه فخرج بها حتى إذا بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها) ([18]).

رابعاً: في صحيح مسلم: (أنه صلى الله عليه وسلم ترك صفية عند أم سليم حتى انقضت عدتها) ([19]).

خامساً: نبينا صلى الله عليه وسلم لم يقصد إلى الزواج من السيدة صفية رضي الله عنها قبل غزوة خيبر ولا بعدها مباشرةً، وإنما كان ذلك بناءً على اقتراح قدَّمه له بعض أصحابه؛ يدلّ على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (فلما دخل القريةَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر، خربت خيبر؛ إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِين قالها ثلاثًا، قال أنس: وخرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمّد والخميس أي: الجيش، قال: فأصبناها عَنوةً([20])، فجمع السبي، فجاء دحية الكلبي رضي الله عنه فقال: يا نبيَّ الله، أعطني جارية من السبي، قال اذهب فخذ جارية، فأخذ (صفيةَ بنت حييّ)، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أعطيتَ دحيةَ صفيةَ بنت حييّ سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، قال:( ادعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذ جاريةً من السبي غيرها، قال: وأعتقها وتزوجها)([21])، فهذه الرواة لا تجعل مجالاً للشك أن شبهتهم كذب وتلفيق دون قراءة وتحقيق؛  وكما قيل:

كم من لئيم مشى بالزور ينقله
يود لو أنه للمرء يهلكه
فإن سمعت كلامًا فيك جاوزه
  فما تبالي السما يومًا إذا نبحت
وقد وقعت ببيت نظمه درر
 لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا                       
                   

 

لا يتقي الله لا يخشى من العار
  ولم ينله سوى إثم وأوزار
  وخل قائله في غيه ساري
كل الكلاب وحق الواحد الباري
قد صاغه حاذق في نظمه داري
لأصبح الصخر مثقالاً بدينار
 

 

 

 

 

انطفأ نورٌ من أنوار بيت النبوة، ووارى الثرى قلبًا حمل بين جنباته حكايةَ تحوُّلٍ نادر، من ظلال العداوة إلى ذرى المحبة، ومن السبي إلى السيادة، ومن الغربة عن الحق إلى جوار خاتم النبيين، إنها صفية بنت حيي، أمُّ المؤمنين، ابنة النسب العريق، ورفيقة رسول الله في أيامٍ شهدت أوج الإسلام وصبره، رحلت عن الدنيا بعد أن طافت بروحها في سماء الإيمان، وبعد أن جفّت دموعها على فقد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم توفيت صفية رضي الله عنها في زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان، نحو سنة 50 للهجرة، وقد ناهز عمرها السبعين عامًا ([22])، بعد عمرٍ امتدّ في خدمة الإسلام، ووفاء لرسوله، وسترٍ لعاطفةٍ لم تُنسج من هوى، بل من إيمانٍ صادق، ومودّةٍ اختصها بها خير الخلق، رحلت أمُّ المؤمنين، ولكن بقي ذكرُها حيًا، يعبق بالإجلال والرحمة، كأنها لا تزال تسير في أروقة بيت النبوة، هادئة الخطى، ثابتة الإيمان، عظيمة القدر، وقد دفنت بالبقيع ([23])، رضى الله عنها وجعلنا الله خير خلف لخير سلف.

ما يستفاد من حياتها رضى الله عنها

أولاً: الكرامة لا تُورَث بالأنساب، بل تُنال بالإيمان كانت صفية بنت زعيم بني النضير، من سلالة أنبياء، ولكنها ما بلغت الشرف الحقيقي إلا يوم أسلمت وامتلأ قلبها بنور التوحيد، فرفَعها الإسلام من السبي إلى السيادة

ثانياً: الإسلام يرفع المرأة ولا يُذلّها دخلت الإسلام في موضع ضعف، فأعزّها الله، وجعلها زوجة نبيّ، وأمًّا للمؤمنين، ليعلم العالم أن الإسلام لا يهين المرأة، بل يطهّرها من جراح الماضي ويمنحها حياة جديدة بكرامة ورضى

ثالثاً: التسامح قوة لا ضعف غارت منها بعض زوجات النبي، فقابلت الأذى بالصمت، والسخرية بالحلم، حتى شهدت لها عائشة رضي الله عنها بأنها من أبرّ النساء برسول الله، فتعلم بناتنا أن الحلم زينة، وأن الرد لا يكون بالصوت العالي، بل بعقل راجح وقلب مطمئن.

رابعاً: الاستجابة للحق مقدّمة على العصبية والانتماء ما منعت صفية نشأتها اليهودية من أن ترى الحق حين بان، فتركت دين قومها، وتخلّت عن كبرياء الماضين، واختارت الإسلام طوعًا، في أسمى مشهد للصدق والبحث عن النور. خامساً: المرأة المسلمة عنوان العزة ولو كانت وحدها بقيت صفية على العهد، صادقة في إيمانها، وفية لرسول الله بعد وفاته، فلم تتزعزع، ولم تلتفت وراءها، بل ظلّت رمزًا للثبات والعفاف والوفاء، يا ابنتي… تعلّمي من صفية أن الجمال ليس في المظهر وحده، بل في الثبات على الحق، والسموّ بالأخلاق، والعزّة في الإيمان، والرفعة في التقوى، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت
لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها             
فَإِن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُها            
 

 

إنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيها
إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ المَوتِ بانيها
وَإِن بَناها بَشَرٍّ خابَ بانيها

 

 

 

 

 


(1) التحرر من العبودية.

(1) سورة الأنفال آية 56.

(2) سورة الحشر:14

(3) سورة المائدة آية 64.

(1) ر واه البخاري (4200).

(1) ((الاستيعاب)) (ص: 605)، ((أسد الغابة)) (ص: 1375)، ((الإصابة)) (7/ 738 - 741)..

([7]) صحيح البخاري الجزء 2 الصفحة 778 ح 2120.

(2) سير أعلام النبلاء للذهبي جـ2 صـ232.

(1) الاستيعاب)) (ص: 605)، ((أسد الغابة)) (ص: 1375)، ((الإصابة)) (7/ 738 – 741.

(2) رواه البخاري (4201).

(3) يقصد عمها نبي الله موسى عليه السلام.

(4) رواه الترمذي (3894). وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال محمد المناوي في ((تخريج أحاديث المصابيح)) (5/ 323): سنده لا شك في صحته، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.

(5) ((جلاء الأفهام)) (ص: 137).

([14]) الكتاب: مسند الإمام أحمد بن حنبل المؤلف: الإمام أحمد بن حنبل (164 - 241 هـ) المحقق: شعيب الأرناؤوط [ت 1438 هـ] - عادل مرشد - وآخرون، الجزء 44 الصفحة 429 الرقم 26858 الباب حديث صفية ام المؤمنين رضي الله تعالى عنها

(1) أخرجه أبو داود (2157) واللفظ له، وأحمد (11228) باختلاف يسير، والحديث صحيح.

(2) ذكره ابن عبد البر الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار المجلد 13 صفحة 260.

(3) قد تقدم تخريجه في فضائل صفية بنت حيي.

([18]) الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم للحميدي الجزء 2 الصفحة 537.

([19]) صحيح مسلم (الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج) -الجزء 15 صفحة 320 ح 3377.

([20]) الكتاب: صحيح البخاري -المؤلف: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي -المحقق: د. مصطفى ديب البغا- ‌‌11 - بَاب: مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ. الجزء 1 -الصفحة 145

([21]) رواه أحمد بن حنبل تحقيق شعيب الأرناؤوط الجزء 11 -الصفحة 6737104، والحديث صحيح.

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد جـ8صـ.102

(2) سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي 2/232.

(1) قال خير الدين الزركلي: أما ما يرويه أصحاب الأقاصيص من شعره وما جمعوه وسموه " ديوان علي بن أبي طالب ": فمعظمه، أو كله: مدسوس عليه " انتهى من "الأعلام" (4 / 296)

 

عودة للمقالات