رملة بنت أبي سفيان رضى الله عنها
في صفحات المجد الخالد، أسماءٌ لا تبهت، وذكرى لا تُمحى، وسيرٌ تبقى أنوارُها تهدي العقول وتلهم القلوب، ومن بين تلك الجواهر المصونة، والنجوم المكنونة، تشرق سيرة امرأة نادرة، جمعت المجد من طرفيه عِزّ النسب، وعلوّ الدين، إنها أمّ رملة بنت أبي سفيان، أمّ حبيبة رضي الله عنها، سيدةٌ عَرفت درب الحق، فسلكته بثبات، وذاقت مرارة الفقد، فلم تضعف ولم تهن، وهي بنتُ البيت القُرشيّ الأصيل، وزوجُ النبيّ الجليل، وأمُّ المؤمنين بعهدٍ نبويٍّ نبيل، هجرت لأجل العقيدة، وصبرت على البُعد والوحشة، وثبتت حين اضطربت القلوب، فكانت للثبات عنوانًا، ولليقين برهانًا، في سيرتها دروسٌ للنساء، وعبرٌ للرجال في الحكمة والمروءة، جمعت بين رفعة النسب وشرف الصحبة، فكانت تاجًا يتلألأ فوق هامات التاريخ، ورايةً ترفرف فوق قلاع الإيمان، وفي الحديث عن سيرتها نكشف عن ملامح هذه الشخصية العظيمة، لنستلهم من ثباتها عزمًا، ومن إيمانها نورًا، ومن رجاحتها زادًا يسند العقول، ويهذّب النفوس، رجالًا ونساءً، في زمن قلّت فيه القدوات وكثرت فيه الظلمات.
الاسم: رملة.
اسم الأب: أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس.
أمها: صفية بنت أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.
أم حبيبة هي سابعةُ الزوجات على الترتيب، وهي واحدة من القرشيات اللائي تزوجهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن ست قرشيات ([1])، أقربهن إلى رسول الله نسباً، ورحماً أم حبيبة رضى الله عنها، ، من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وأربع عربيات غير قرشيات ([2])، ثم أمنا (صفية بنت حيي)، كانت من أصول يهودية، فتتم عدة الزوجات إحدى عشرة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، (ومارية القبطية) أم إبراهيم عليه الرضوان والسلام ([3])، التي أهداها المقوقس لرسول الله، أمنا أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، أقرب نساء النبي الله عليه وسلم إليه رحماً، لأنها من بيت عبد شمس بن عبد مناف، إذاً يلتقي نسبها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.
ولدت أم حبيبة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بسبع عشرة سنة، وتزوجت عبيد الله بن جحش، وهي من الثلّة المؤمنة التي أسلمت مبكراً في مكة رضى الله عنها ([4]).
كانت تكنى أم حبيبة، نسبة إلى ابنتها من زوجها الأول، عبيد الله بن جحش الأسدي ([5])، وعاشت معه تلك التجربة القاسية التي لاقاها المؤمنون في بدايات الدعوة المكيّة، وما انطوت عليه من معاناة مريرة وأحداث مروعة، ولم يكن ثمّة مخرجٍ من هذه الحال سوى هجرة الأوطان وترك الديار، إلى أرضٍ تسمح لهم بحريّة العبادة، ووقع الاختيار على أرض الحبشة، وهكذا هاجرت أم حبيبة مع زوجها إلى الحبشة ليظفروا بالأمن والأمان.
فلما كان العشي أمر النجاشي بحضور (جعفر بن أبي طالب) ومن معه من المسلمين، فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام، المؤمن المهيمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنّه الذي بشر به عيسى بن مريم عليه السلام، أما بعد: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليّ أن زوجه (أم حبيبة بنت أبي سفيان)، فأجبته إلى ما دعا إليه، وقد أصدقتها (أربعمائة دينار) ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده واستعينه واستنصره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبتُ إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوّجته أم حبيبة ابنة أبي سفيان، فبارك الله لرسوله([6])؛ ثم قام ودفع إليّ الدنانير، ثم أرادوا أن يقوموا، فقال لهم النجاشي اجلسوا؛ فإنّ سنّة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعامٌ على الزواج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا ([7]).
أم حبيبة والجارية ([8])، التي بشرتها بزواجها من رسول الله قالت أم حبيبة: فلما وصل إليّ المال الذي كان مهراً لي من رسول الله، أرسلتُ إلى الجارية التي بشّرتني، فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذٍ ولا مال بيدي، فهذه خمسون مثقالاً فخذيها واستغني بها، لكنها ردّت إليّ كل ما أعطيتها، وقالت: عزم عليّ الملك ألا آخذ منك شيئا، وإني قد تبعت دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلمت لله، فحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله مني السلام، وتعلميه أني قد اتبعت دينه، فلما قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة أخبرته كيف كانت الخطبة، وما فعلت بي الجارية، فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ( وعليها السلام ورحمة الله)([9]).
وفي العام السابع من الهجرة احتفلت المدينة بهذا الحدث العظيم، زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة رضى الله عنها، وكان عمرها يومئذٍ ستة وثلاثين عاماً، وأنزل الله تعالى في شأن هذا الزواج المبارك قوله: (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ([10])، يقول ابن عباس رضي الله عنهما فكانت المودة التي جعل الله بينهم تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ([11])، فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين.
لما قدم أبو سفيان المدينة راغباً في تمديد الهدنة، دخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته دونه، فاستنكر والدها ذلك وقال: يا بنيّة، أرغبتِ بهذا الفراش عنّي؟ أم رغبتِ بي عنه؟ فأجابته إجابة المعتزّ بدينه المفتخر بإيمانه، فقالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت امرؤ نجسٌ مشرك ([12])، رغم غيابها عن أبيها حوالي ست عشرة سنة متصلة، لم تر أباها، ولم يراها، وها هو أبوها يدخل بيتها للمرة الأولى بعد هذه المدة الطويلة، سلم عليها، ويهم أن يجلس في موضع النبي صلى الله عليه وسلم فتسرع أم حبيبة إلى الفراش الذي كان رسول الله يجلس عليه فتنزعه من تحت أبيها قبل أن يجلس عليه كما أسلفنا، فقال: يا رملة قد أصابك بعدي شر أصاب عقلك، حتى تقولي لأبيك هذا؟ فقالت: هداني الله إليه، ودلني على دينه، ثم قالت لأبيها والله يا أبي وأنت سيد قومك، وسيد قريش ما مثلك يسقط عن الإسلام، وقد رأيت ما أعز الله به دينه، ونبيه صلى الله عليه وسلم فلم يجبها أبو سفيان، وكأن هذا الكلام قد وقع من نفسه موقعاً، وكان ذلك تمهيداً لإسلامه ([13])، ولكن هذا لم يثبت بسند متصل وذكرته لإرشاد القارئ لما كثر في كتب السير والتاريخ ونريد إحياء الأدلة الصحيحة من سير خير البرية صلى الله عليه وسلم، انظر إلى الحاشية.
روت أم حبيبة رضى الله عنها روت (خَمْسَةً وَسِتينَ حَدِيْثًا)، وَاتَّفَقَ لَهَا البخارِيُّ وَمسلِمٌ على حديثين، وتَفردَ مسلِمٌ بحديثينِ، روى عنها عدد من الصحابة منهم أخوها معاوية وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وزينـب بنت أبي سلمة رضي الله عنهم، وحديثها مشهور في تحريم الربيبة، وروت في السنن الراتبـة وفي إحداد الزوجة وأبواب الطهارة، وعمومها وصف لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وفي السنن الرواتب ([14]).
جاءها أجلها في العام الرابع والأربعين في خلافة أخيها معاوية ([15])، ولما استشعرت قرب الأجل أرسلت إلى عائشة فدخلت عليها عائشة فتحللتها، كأنها ترجوها أن تسامحها فيما كان منها من إيذاء، أو مما يقع بين الضرائر، فقالت: عائشة غفر الله لي ولك، وحللتك من ذلك كله، فقالت لها سرك الله كما سررت لي، اغمضت عيني عينيها لحقت بالرفيق الأعلى في خلافة أخيها معاوية رضي الله عنها وأرضاها، وعن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
دروس مستفادة من أم حبيبة رضى الله عنها
وهكذا تطوى سيرة امرأةٍ من أعظم النساء، أمّ من أمهات المؤمنين، رملة بنت أبي سفيان، أمّ حبيبة رضي الله عنها، التي سطّرت بمداد الصبر والإيمان صفحاتٍ خالدة في تاريخ الأمة، هجرت في سبيل الله، وثبتت على التوحيد، وواجهت الغربة والوحدة بفؤادٍ مؤمنٍ مطمئن، فكانت مثالاً للثبات عند المحنة، واليقين عند البلاء، والعِزّة في مواطن الضعف، عاشت عفّة الكلمة، وكرامة الموقف، فاختارت الدين على الوطن، والإيمان على الأهل، ورفعت رأسها حين انحنى من حولها، فكتب الله لها الشرف في الدنيا، والرفعة في الآخرة، فصارت أمًّا للمؤمنين، وزوجًا لخير المرسلين، ومن حياتها نتعلّم:
- أن المرأة المسلمة لا تُقاس بقربها من أهلها، بل بثباتها على مبدئها.
- أن الغربة في سبيل الله عِزّة، لا مذلّة، وأن الصبر مفتاح الفرج.
- أن الزواج لا يُلغي دور المرأة، بل يُكمّله إن كان في ظلّ الإيمان والعقل.
- أن العقيدة لا تعرف مجاملة، ولو كان الأب زعيمًا، فالدين فوق كل رابطة.
وإنّ من أعظم ما يُهدى لبناتنا من سيرتها، أن يكنَّ حرائر في عقولهنّ، ثابتات في قلوبهنّ، لا يبعنَ الدين بالمجاملات، ولا المبادئ بالعواطف فبهذا تبقى المرأة تاجًا على رأس الأمة، ومصدر نورٍ في درب الأجيال.
(1) وهؤلاء القرشيات الست هن (أمنا خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة، وأم سلمة).
(2) هن (زينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وميمونة بنت الحارث)
(3) ستأتي معنا هل هي أم للمؤمنين أم من جواري رسوله الكريم.
(1) سير أعلام النبلاء للذهبي 2/219.
(2) هناك كثير من الذي كتب في كتب السير والتاريخ أن عبيد الله قد تنصر في أرض الحبشة!! الروض الأنف (٢/ ٣٤٧). لكن لم يثبت فيها حديث بسند صحيح وجاءت فيها روايات في السيرة، وروايات عند الحاكم والبيهقي، أقول وكلها روايات مرسلة وتصل إلى درجة النكارة ولا يلتفت إليها لأن الأصل ما ثبت بيقين لا يزول بالشك، ولكن لابد أن يزول بيقين مثله.
([6]) الطبقات الكبير- محمد بن سعد بن منيع الزهري- ذكر أزواج رسول الله، صلى الله عليه وسلم- 4961 - أمّ حَبِيبَة- الجزء 10-الصفحة 94- 4961، وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 218.
(2) المصدر السابق.
(3) أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه -أي: العطر
([9]) المستدرك على الصحيحين- محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري- ذِكْرُ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه -الجزء 8- الصفحة 46- الرقم 6962
([10]) سورة الممتحنة الآية 7
(6) [انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، تفسير الآية 7 سورة الممتحنة.
([12])الإعلام بفوائد عمدة الأحكام- ابن الملقن سراج الدين -باب النكاح الحديث الرابع-الجزء 8-الصفحة 147. وكانت العرب تصف بعض الناس بالنجس، وتريد به الخبث المعنوي كالشر والأذى، وإلا لما وصفوا به بعض الناس دون بعض.
(2) الروض الأُنف (7/ 56 – 57، قال الشيخ الألباني رحمه الله في تخريج أحاديث فقه السيرة، ص 373، "ضعيف، رواه ابن إسحاق بدون إسناد" ورواه الواقدي أيضًا، وهو متروك، وقال ابن حجر في الفتح الثامن صفحة 6، وقدوم أبي سفيان إلى المدينة لتجديد العهد لم يثبت -حسب علمي- بسند صحيح متصل، وإنما جاء من مرسل عكرمة عند ابن أبي شيبة، ومن مرسل محمَّد بن عباد بن جعفر أخرجه مسدّد، وكذا عند ابن عائذ عن عروة فتح الباري المجلد الثامن ص 5.
(3) سير أعلام النبلاء:3/477، والإصابة:8/140.
(1) سير أعلام النبلاء 2/219.