ميمونة بنت الحارث الهلالية رضى الله عنها
حين يكتب القلمُ عن النساء، تعجز الحروف عن الإحاطة بمن طهّرت قلبها للإيمان، وجعلت من حياتها وقفًا لله ورسوله، ومن بين أمهات المؤمنين، تشع سيرةٌ ساطعة، هادئة في حضورها، عظيمة في أثرها، إنها ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها؛ المرأة التي خُتم بها شرف الزواج من خير البشر، وكانت ببيعتها للحق، بداية لفجر أشرق على قومها بالهداية والنّور، ميمونة ليست مجرد اسم في سجل النساء، بل فصلٌ ناصع من فصول النبوة، تميزت برجاحة عقل، وصفاء نفس، وعمق إيمان، جعلها تستحق أن تكون أمًّا للمؤمنين، وأن تخلد سيرتها في كتب الصادقين، وفي سيرتها نغوص في أعماق سيرة زكية، لا سردًا لسيرتها فقط، بل سعيًا لفهم ما وراء الأحداث من دروس، واستلهام ما في مواقفها من عبر، نهديها لبناتنا، ليعرفن ويتعلمن أن العظمة ليست في الأضواء، بل في الثبات على طريق الحقّ ولو في الظل، إنها:
الاسم: ميمونة.
أبوها: الحارث بن حزن بن بحير بن غلب بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة.
أمها: هند بنت عوف بن زهير بن الحارث
وهي من بني هلال بن عامر بن صعصعة قبيلة من القبائل العربية الشريفة ذات الأصل المعروف، كانت العرب تقول ما من امرأة أكرم عجوز في الأرض أصهاراً من هند بنت عوف ([1])، ذلك أنه كان لها ست بنات كلهن شريفات المصاهرة فقد أصهرت إلى رسول الله في اثنتين، (زينب بنت خزيمة)، ثم (ميمونة بنت الحارث)، فليس هناك امرأة زوجت بنتي لرسول الله إلا إياها ([2]).
تزوجت من مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية ثم فارقها، فتزوجها أبو رهم بن عبد العزى، فتُوفِّيَ عنها ([3]).
تزوجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سنة سبع في عُمرة القضاء في ذي القعدة، فأرسل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب إليها فخطبها، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، فزوّجها من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ([4])، وتزوجها على مهر خمسمائة درهم، وتم العقد وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم كمثل غيرها من نسائه، وقال حينها النبي صلى الله عليه وسلم لسهيل بن عمرو أنه يرغب إليهم لو أذنوا له في أن يعرس في مكة، ويطعمهم من طعام عرسه، فقال له سهيل بن عمرو لا حاجة لنا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم والتزم بشرطه مع قريش، في صلح الحديبية، ثم بنى رسول الله بميمونة بنت الحارث الهلالية العامرية رضي الله عنها، عند مكان بين مكة والمدينة معروف اسمه سرف([5]) فبنى بها بسرف في طريق عودته من عمرة القضاء سنة سبع للهجرة الشريفة، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم بأمنا ميمونة فبلغت ما أرادت وتمنت، وكانت آخر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يدخل بعدها بامرأة قط.
عن يزيد بن الأصم قال: (تزوج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حَلَال في قبةٍ لها، وماتت فيها)، ويزيد هو ابن أُخت ميمون ([6]).
فكما تمنت المرأة في أول الأمر أن يزوجها الله برسوله فزوجها، وأنزل الله عز وجل في أمرها قرأناً يتلى إلى يوم القيامة، (وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ([7]).
فتعجب أنها آخر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم زواجاً به ودخولاً إلى بيته، وعلى الرغم من ذلك روت (ستة وسبعين حديثاً)، سبعة أحاديث في (الصحيحين)، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة، وكانت تستفتى فتفتي في مسائل الطهارة، وغيرها من المسائل كما تعلمتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحدَّث عنها: ابن عباس، وابن أختها الآخر عبد الله بن شداد بن الهادي، وعبيد بن السباق، وعبد الرحمن بن السائب الهلالي، وابن أختها الرابع يزيد بن الأصم، وكريب مولى ابن عباس، ومولاها سليمان بن يسار، وأخوه: عطاء بن يسار، وآخرون ([8]).
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأخوات مؤمنات: ميمونة وأم الفضل وأسماء) وأم الفضل: زوجة العباس، وأسماء بنت عميس، وكانت أخت ميمونة لأمها) ([9]).
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كانت ميمونة بنت الحارث من أتقانا لله وأوصلنا للرحم) ([10]).
ماتت ميمونة رضى الله عنها لكن ما مات الذِّكر، ولا اندثر الأثر، بل بقيت سيرتها نبعًا صافياً، وروحًا عطرةً تسري بين صفحات التاريخ كالنسيم إذا مرّ بالأرواح، ماتت ميمونة رضى الله عنها ومات معها قلبٌ كان يُصلّي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ويسمع الوحيَ في السَّحر، ويبيت في بيت تسكنه ملائكةُ السماء، ماتت الطاهرة، التي وهبت نفسها لله ورسوله، فوهبها الله خلودًا في القلوب، ومقامًا رفيعًا في جنان علام الغيوب، ميمونة التقية لا تُذكر إلا وتُذكر معها الطهارة، والصفاء، والرقة، والحياء، سكن جسدها الطاهر في أرض سَرِف، حيث ابتدأ زواجها برسول الله، وهناك خُتمت حياتها، كأنها عادت إلى مَهد الحبّ والوفاء، لتُدفن حيث سُمّي المكان بالبِشر والصفاء، فيا ميمونة سلامٌ عليكِ في الأولين، وسلامٌ عليكِ في الآخرين، وسلامٌ عليكِ إلى يوم الدين، سلامٌ على قلبٍ عاش لله، ونام على طاعة، ورحل عن دنيا الزيف إلى دار الصدق والنور، فتوفيت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، سنة إحدى وخمسين من الهجرة ([11])، وصلى عليها ابن عباس، ودخل قبرها هو، ويزيد بن الأصم، وعبدالله بن شداد بن الهادي، رضي الله عنها وأرضاها، الحكيمة الشريفة الحسيبة النسيبة ميمونة بنت الحارث الهلالية العامرية أخت المؤمنات الصالحات، رضى الله عنهن أجمعين.
الدروس المستفادة من حياة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها
أولاً: النية الخالصة ترفع مقام العبد؛ ميمونة رضي الله عنها وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابتغاء مرضاة الله، فسمّاها الله في كتابه (وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ([12])، فخلّدها القرآن، ورفع الله ذكرها، وهذا يعلّمنا أن ما كان لله دام واتّصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل، فقد يعجز المرءُ عن عمل الخير الذي يصبو إليه لرقة حاله، أو ضعف صحته، أو قلةِ حيلته، لكن الله المطلع على خبايا النفوس يرفع أصحاب النوايا الصادقة إلى ما تمنوه، لأن طِيب مقصدهم أرجح لديه من عجز وسائلهم، إن سر صلاحِك يكمن في إصلاح سرك، كما قيل:
|
لوْ يَعْلَمُ المَــرْءُ عَنْ تَدْبِيْرِ خَالِقِهِ |
|
لَه لَـمَا نَاحَ حُزْناً أَوْ شَــكَا أَلَـمَا |
ثانياً: الحكمة في السكون، والوقار في التواضع لم تكن كثيرة الظهور أو الجدال، بل اتّصفت بالحياء والسكينة، فكانت مثالًا للمرأة الحكيمة التي تعرف متى تتكلم، ومتى تَصمت، وكما قيل:
قال المتنبي:
|
ملْأَى السنابلِ تنحني بتواضع |
|
والفارغاتُ رؤوسهن شوامخُ |
قال الفراهيدي:
|
|
وكذا التواضعُ لا يضرُ بعاقلِ |
ثالثاً: المبادرة إلى الخير تفتح أبواب البركات، زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم كان سببًا في دخول قبيلتها بني هلال في الإسلام، فكانت ببركة زواجها مفتاحًا للهداية، ودعوةً صامتة أفلحت حيث عجزت الكلمات، فكوني مفتاح للخير مغلاقاً للشر واقتدي بأمك أم المؤمنين ميمونة رضى الله عنها.
رابعاً: الكرم وسَعة الصدر عُرِفت ميمونة رضى الله عنها بجُودها، وكانت تصل رحمها، وتحسن إلى الناس، وتجود بما تستطيع، وهذا درس لكل فتاة وامرأة أن الكرم لا يُقاس بالغنى، بل بنقاء النفس وسخاء الروح.
قال كلثوم بن عمرو التغلبي من شعراء الدولة العباسية:
|
إن الكريم ليخفى عنك عسرته |
|
حتى تراه غنياً وهو مجهود |
خامساً: الثبات على الإيمان حتى الممات عاشت بعد رسول الله زمنًا طويلًا، فثبتت على دينها، وأخلصت في ولائها، وماتت على طُهرٍ وإيمان، فدلّت بذلك على أن الصدق في المحبة لا يظهر في الحياة فقط، بل في الوفاء حتى بعد الممات، فكانت ميمونة رضى الله عنها مثالًا للمرأة صاحبة الوفاء، لا يعرف الناس عنها إلا الخير، ولا يُروى عنها إلا المكارم، وهذا هو المجد الحقيقي للمرأة، أن تحفظ نفسها، وتكون قدوة في زمانها، الفتن.
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قدر الكرام المكارم
(1) أكرم عجوز في الارض اصهارا: انها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث الكنانية، سميت بذلك لان بناتها تزوجن بخير الرجال على الاطلاق، فقد تزوجت ابنتها ميمونه بنت الحارث من رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وايضا تزوجت ابنتها السيدة ام الفضل لبابة الكبرى من العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وهي أول امراه اسلمت بعد السيدة خديجة وهي إيضا والدة عبد الله بن عباس حبر الامه وترجمان القران.
ومن بناتها إيضا السيدة لبابه الصغرى وهي والدة خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وايضا من بناتها السيدة أسماء بنت عميس رضي الله عنها وهي زوج جعر بن ابى طالب (الشهيد الطيار) ومن بعده تزوجت من ابو بكر الصديق رضي الله عنه، وتزوجت بعد ابى بكر من علي بن ابى طالب رضى الله عنه.
وايضا ابنتها السيدة سلمى بنت عميس التي تزوجت من سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهي ايضا، ام زينب بنت خزيمة، ام المؤمنين زوج رسول الله(ص)والتي كانت تلقب بأم المساكين وتوفيت في حياة رسول الله(ص) ودفنت بالبقيع، رضي الله عنها
وهي جدة خالد بن الوليد لأمه.
انها بحق أكرم عجوز في الارض اصهارا، انظر إلى سير أعلام النبلاء للذهبي، وسبيل الهدى والرشاد للشامي 11/207، طبقات ابن سعد الكبرى 8/277، تهذيب الكمال 35/297.
(1) ابن يوسف الصالحي الشامي 11/208، في سبيل الهدى والرشاد.
(2) سيرة ابن هشام: ٢/ ٦٤٦.
(3) تحفة الأحوذي، أبواب الحج، باب «ما جاء في الرخصة في تزويج المحرم»، الحديث ٨٤٤: ٣/ ٥٨١.
([5]) سَرِف تعرف حاليًا باسم النوارية٬ هي موضع يقع بين التنعيم ووادي فاطمة شمال غرب مكة المكرمة على بعد 12 كم منها٬ ويعد أحد أحياء ضواحي مكة المكرمة الشمالية الغربية٬ أصبحت لهذا الوادي أهمية تاريخية فقد تزوج الرسول محمد بميمونة بنت الحارث فيه، وهناك بنى بها٬ وبه توفيت ودفنت٬ وقبرها معروف مشهور٬ إذ يقع على يمين القادم إلى مكة المكرمة..
(5) أخرجه مسلم من حديث يزيد. انظر كتاب النكاح، باب «تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته»: ٤/ ١٣٦ - ١٣٧.
([7]) سورة الأحزاب - الآية 50
(1) سير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 2، ص: 239، 245
(1) حديث صحيح، أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (8387)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (4868)، والطبراني (24/131) (360) واللفظ له والطبقات الكبرى لابن سعد، ج: 8، ص: 109.
(1) حديث صحيح، الطبقات الكبرى لابن سعد، ج: 8، ص: 111 ح (10273)، وابن أبي شيبة ح (20696)، والحاكم ح (6799) واللَّفظُ له. صَحَّحه على شرط مسلم: وصَحَّح إسنادَه ابن حجر في ((الإصابة)) (4/412)، وحَسَّنه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((سير أعلام النبلاء)). (2/244).
(1) سير أعلام النبلاء 2/239.
(1) سورة الأحزاب الآية 50.