أم سلمة رضى الله عنها
في صفحات التاريخ، أسماء تتلألأ كالنّجوم، ووجوه تُتوّجها الهيبة والوقار، ونفوس سمت بالإيمان فسطعت في سماء الدنيا والآخرة، ومن بين تلك الجواهر المصونة، والدرر المكنونة، تبرز أمّ سلمة رضي الله عنها، صاحبة الحكمة والبلاغة، والفقه والفصاحة، والسُّموّ في المواقف والشجاعة، هي التي ودّعت ديارها لأجل عقيدتها، فهجرت، وصبرت، واحتسبت، فكتب الله لها الذكر الجميل في الدنيا، والأجر الجزيل في العقبى الآخرة، عُرفت برأيها السديد، وصوتها الرشيد، وكانت للرسول زوجًا، وللأمّة أمًّا، وللنساء قدوة، في زمن عزّت فيه القدوات، نُبحر في بحر سيرتها، ونتفيّأ ظلال حكمتها، ونغترف من معين علمها، لعلّ القلوب تهتدي بنورها، والعقول تستضيء بذكرها، فسلامٌ عليها يوم أسلمت، ويوم هاجرت، ويوم لقيت وجه ربها راضيةً مرضية، فها هي بين يديكم رضى الله عنها:
الاسم: هند.
اسم الأب: أمية بن الحارث بن المغيرة بن مخزوم، هو كان معروفاً قبل الإسلام بأنه واحد من كرماء العرب، والدها سيّد من سادات قريشٍ المعدودين، وكان بين الناس مشهوراً بالكرم وشدّة السخاء حتى لُقّب بـ: (زادُ الراكب) ([1]) لأنه كان يطعم، ويزود الراكبين.
اسم الأم: عاتكة بنت عامر.
فأم سلمة هي الزوجة السادسة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من أوائل من أسلم من بني مخزوم، ومعلوم أن بني مخزوم كانوا من أشد بطون قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانت (هند) رضى الله عنها متزوجة من (أبي سلمة) ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب رضى الله عنه، وكان أبو سلمة وزوجه من المهاجرين هجرة الحبشة الأولى.
عزم أبو سلمة على أن يهاجر بنفسه إلى رسول الله حتى لا يفوته شيء، من مشاهد رسول الله، وافترق الزوجان الحبيبان في هذه اللحظة غير أن بني مخزوم قد حموا ابنهم لكن حمية فاسدة وإليك الخبر:
لما أرادت تلك الأسرة أن تهاجر إلى المدينة، واجهت الكثير من المصاعب والابتلاءات، فقد تسامع قومها بنو المغيرة بتأهّبها وزوجها للرحيل فقالوا لزوجها: هذه نفسك غلبْتنا عليها، فعلام نتركك تأخذ أم سلمة وتسافر بها؟، فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوها منه، فغضب لذلك بنو عبد الأسد قوم زوجها وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا الولد بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وظلّت أم سلمة عند بني المغيرة وانطلق الزوج مهاجراً لوحده، وهكذا تفرّق شمل الأسرة ، وابتليت بلاءً عظيماً، فالزوج هاجر إلى المدينة، والزوجة عند أهلها في مكة، والولد مع أهل أبيه، مما كان له عظيم الأثر على نفس أم سلمة رضي الله عنها، فكانت تخرج كل يوم إلى بطحاء مكة تبكي، وتتألم لما أصابها، وظلّت على حالها قرابة سنة، حتى مرّ بها رجل من قومها وهي تبكي، فرحمها ورقّ لحالها، فانطلق إلى قومه قائلاً لهم: ألا تطلقون سبيل هذه المسكينة؟ فإنكم فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، فأجابوه لذلك وقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، ولما سمع بنو عبد الأسد ذلك ردّوا عليها ولدها، فانطلقت من فورها إلى مكة، تقول أم سلمة رضي الله عنها واصفةً رحلتها: فجهّزت راحلتي ، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله، حتى إذا كنت بالتنعيم (موضع من مكة) لقيت عثمان بن طلحة وكان يومئذٍ مشركاً، فقال لي: إلى أين؟ ، قلت: أريد زوجي بالمدينة، فقال: هل معك أحد؟، فقلت: لا والله، ما معي إلا الله وابني هذا، فأخذته النخوة فقال: والله لا أتركك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يقودني، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب أكرم منه، كان إذا نزل المنزل أناخ بي ثم تنحّى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فجهّزه، ثم استأخر عني وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني، فلم يزل يصنع ذلك حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: (إن زوجك في هذه القرية)، وكان أبو سلمة نازلاً بها ([2])، فاستقبل أبو سلمة أم سلمة وابنه معها، بكل بهجة وسرور، والتقت الأسرة المهاجرة بعد تفرّق وتشتّت وأهوال، إلى أن جاءت غزوة أحد، وأصيب أبو سلمة يوم أحد أصابه في عضده، وعولج منها حتى برئ، وخرج في سرية جعله رسول الله أميراً لها، وعاد من هذه السرية بعد شهر، وقد انتفض جرحه مرة أخرى، واشتد عليه الذي كان أصيبه يوم أحد، وما زال به حتى لقي ربه عز وجل، وكان موت أبي سلمة شديداً على رسول الله.
في بداية هذا الزواج المبارك أريد أن اذكر بما ورد عن أبي سلمة رضى الله عنه فيما قال ابن عبد البر: إن أبا سلمة قال عند وفاته: (اللهم أخلفني في أهلي بخير، فأخلفه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على زوجه أم سلمة فصارت أما للمؤمنين) ([3]).
فقالت أم سلمة رضى الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها، فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم) ([4]).
ولما انقضت عدة أم سلمة أرسل إليها رسول الله يخطبها، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا الله عز وجل أن يحسن عزائها ومواساتها، وأن يلهما الصبر، وأن يخلف عليها برجل خير من أبي سلمة قالت فقلت في نفسي وأي الرجال خير من أبي سلمة؟ ولم يخطر ببالها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يتزوجها، وتزوجها رسول الله في شوال العام الرابع الهجري رضى الله عنها ([5]).
وعن عمر بن أبي سلمة قَالَ: لما انقَضت عدَّةُ أُمِّ سلمة خطبها أَبو بكر فَرَدته، ثُمَّ خطبها عمر فردته، فبعث إِليها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: مرحبًا برسول اللَّه وبرسوله، أخبر رسول اللَّه أني امرأةٌ غيرى وأني مصبية أي ذات أولاد صغار، وأنه ليس أحدٌ من أوليائي شاهدٌ، فبعث إِليها رسول الله: أما قولك: إنِي مصبيةٌ فإن اللَّه سيكفيك صبيانك، وأما قولك: إني غيرى فسأدعو اللَّه أن يذهب غيرتك، وأما الأولياءُ فليس أحد منهم شاهدٌ ولا غائب إِلا سيرضاني، قالت: يا عمر (ابنها)قم فزوج رسول اللَّه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إِني لَا أنقصك شيئًا مما أعطيتُ أختك فلانة رحيين وجرتين، ووسادةً مِنْ أَدم، حشوها لِيفٌ ([6])
كانت أم سلمة حكيمة شديدة الحكمة والبلاغة، وحسن المنطق، ولذلك شواهد كثيرة منها ما أخرجه البخاري رحمه الله: عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وذلك لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من كتابة صلح الحديبية مع سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا»، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا)([7])؛ فكان رأي أم سلمة رضي الله عنها رأياً موفقا ومشورة مباركة، قال ابن حجر: وإشارتها على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تدلُّ على وفور عقلها وصواب رأيها ([8]).
كانت أُمُّ سَلَمَةَ على علاقة طيبة بجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى إنهن كُنَّ يرسلنَ أُمَّ سَلَمَةَ لكي تتحدث نيابةً عنهنَّ عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ روى البخاريُّ عن عُروةَ بنِ الزبير قَالَ: (كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاجْتَمَعَ صَوَاحِبِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلْنَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ، وَاللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، وَإِنَّا نُرِيدُ الْخَيْرَ كَمَا تُرِيدُهُ عَائِشَةُ، فَمُرِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا إِلَيْهِ حَيْثُ مَا كَانَ أَوْ حَيْثُ مَا دَارَ، قَالَتْ: فَذَكَرَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَلَمَّا عَادَ إِلَيَّ ذَكَرْتُ لَهُ ذَاكَ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ، ذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ، لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا )([9]).
كانت عالمةً فقيهة، تتوقد فطنةً، وتشرق فهماً، حتى عدّها العلماء من فقيهات الصحابة، ومصدرًا موثوقًا في الرواية والفتيا، عُرفت بدقّة نظرها، وجزالة رأيها، وسعة حفظها، وكانت من أكثر النساء روايةً للحديث، لا سيّما في دقائق الأحكام وأسرار البيت النبوي، كانت تسأل وتناقش، وتشارك النبي صلى الله عليه وسلم في الرأي، وتبدي وجهة نظرها بثبات وحكمة، فكان يستمع إليها ويُقرّها، كما فعل يوم الحديبية حين أشار عليها فكان رأيها مفتاح انفراجٍ في موقف عصيب، علمها لم يكن علم الرواية فقط، بل علم فقهٍ ورجاحة عقل، حتى أن كبار الصحابة كانوا يرجعون إليها، ويأخذون منها، ويتأدبون بين يديها، فحُقّ لها أن تكون منارة علمٍ في بيت النبوة، ومرجع فقهٍ وفضلٍ بين النساء والرجال، فرضى الله عنها وأرضاها.
- قال بن حزم رحمه الله: هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية رضي الله عنها: وهي من أصحاب المئين ولها (378) ([10]).
- وقال العلامة المزي في تحفة الأشراف بلغت مروياتها في الكتب الستة (158) حديثًا ([11]).
- وتعد ثاني راوية بعد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، اتفق البخاري ومسلم على (13) حديثًا، وانفرد البخاري (3) أحاديث، ومسلم (13) حديثا ([12]).
- أما محتوى مروياتها كانت كعائشة، تأخرت في الوفاة إلى سنة(62هــ) فقـصدها الـصحابة، وخصوصا بعد وفاة عائشة (58هـ) فتصدرت الرواية والفتيا، وجمعت هذه المرويـات بـين الأحكام والتفسير والآداب والأدعية والفتن ([13])، رضى الله عنها وجعلنا الله خير خلف لخير سلف.
قد تُوفيت (أم المؤمنين) أم سلمة رضي الله عنها في ولاية يزيد بن معاوية سنة (إحدى وستين) للهجرة، بعد أن بلغها مقتل الحسين رضي الله عنه فحزنت عليه حزنا كبيراً، وكانت قد تجاوزت (الرابعة والثمانين) من عمرها ([14])، وقيل: عُمِّرت تسعين سنة رضي الله عنه فكانت آخر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم موتاً، فرضي الله عنها وعن جميع أمهات المؤمنين.
ما يستفاد من حياة أمنا أم سلمة رضى الله عنها
المتأمل فيما سبق من سيرة أم سلمة رضي الله عنها يستفيد بنقاط التالية:
أولاً: الثبات على الحق في وجه المحن، فضربت أم سلمة أروع الأمثلة في الصبر عند الفقد والفراق، حين تمسّكت بإيمانها وهاجرت في سبيل الله، رغم ما واجهته من ألم الفراق وتمزّق الأسرة، وما دام الأمر لله فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وبذا قد من الله عليها بالصبر بجمع شملها مع زوجها، ثم أخلفها الله خيراً بزواجها برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قيل:
ثانياً: المرأة العاقلةُ ذات رأي وحكمة تكون كما كانت أم سلمة رضى الله عنها عندما أعطت رأيها في صلح الحديبية وكان رأيُها نقطة تحوّل، ما يدل على أن المرأة تملك عقلًا راجحًا، متى وظفته على مراد الله ستصل لمنزلة عالية عند الله ثم عند زوجها ومجتمعها.
|
ورغم الشَّدائدِ يبقى الأمَلْ |
|
وللفأل في القلب دومًا مَحَلْ |
|
أرى الناسَ لا يَدرُونَ ما قَدرُ أمرِهمْ |
|
بلى: كلُّ ذي لُبٍّ إلى اللّهِ وَاسِلُ |
ثالثاً: العلم شرفٌ لا يُختصر على الرجال كانت من رواة الحديث وفقهاء الصحابة، فتعلمت وعلمت، وبيّنت أن طلب العلم ليس حكرًا على الرجال، بل هو زينة المرأة وعدّتها، والحياء لا يتعارض مع العلم والقوّة، فجمعت بين الحياء والجرأة في الحق، فلم يمنعها أدبها الجمّ من السؤال، ولا حياؤها من الإفتاء والنصيحة رضى الله عنها وأرضها.
رابعاً: الزواج لا يُلغي ذات المرأة كانت زوجة نبي صلى الله عليه وسلم، نعم لكنها لم تنسى نفسها من التعليم والتعلم، بل بقيت صاحبة رأيٍ وعلمٍ ومكانة، وتُستشار وتُوقّر، وكانت (أمًّا للمؤمنين)، وهذا تكريم عظيم لكل امرأة، أن تكون قدوة في الرعاية والتوجيه، لا مجرد لقب اجتماعي، فالمرأة شريكة في بناء الأمة بمواقفها وآرائها وعلمها، أثبتت أن المرأة ليست تابعًا، بل شريكة في البناء، وصانعة في مجد الأمة.
|
إن هذا الحسن كالماء الذي فيه للأنفس بـرء وشفــاءْ |