المرأة والفتوى في الإسلام
المقدمة
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، ورفع أهلَ العلم درجات، وجعلهم ورثةَ الأنبياء، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
والصلاةُ والسلامُ الأتمان الأكملان على سيدنا محمدٍ ﷺ، النبيِّ الأميّ، المبعوثِ رحمةً للعالمين، الذي بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وترك الأمة على المحجّة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإنَّ العلمَ في الإسلام أصلٌ راسخ، وركيزةٌ أساسية في بناء الفرد والمجتمع، به تُفهم نصوص الشريعة، وتُستنبط الأحكام، وتُحفظ المقاصد، وقد جاء الحثُّ عليه في الكتاب والسنة، فكان سبيلًا للرفعة في الدنيا، وسببًا للهداية والرشد في الآخرة.
لم يكن العلم الشرعي في الحضارة الإسلامية حكرًا على جنس دون آخر، بل كان ميدانًا مفتوحًا لمن امتلك أدواته، وتسلّح بملكة الفهم والاستنباط. ومنذ البدايات الأولى للإسلام، أسهمت المرأة إسهامًا فاعلًا في حفظ العلم ونقله، وشاركت في تشكيل الوعي الديني من خلال التعليم والرواية والإفتاء، مستندة إلى مكانة راسخة منحها إياها الشرع، وقاعدة أصيلة مفادها أن التفاضل إنما يكون بالعلم والتقوى لا بالنوع الاجتماعي.
وقد برزت عبر التاريخ الإسلامي نماذج نسائية علمية كان لهن أثر واضح في مجال الفتوى، حيث رجع إليهن الصحابة والتابعون، واستُفتيْن في النوازل، وأسهمن في توجيه المجتمع علميًا وفقهيًا. غير أن هذا الدور، على أهميته، لم يحظَ دائمًا بالبحث الكافي، مما أفضى إلى شيوع تصورات قاصرة حول حدود مشاركة المرأة في المجال العلمي والفقهي.
ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث، الذي يسعى إلى تسليط الضوء على دور المرأة في العلم والفتوى، من خلال دراسة تأصيلية تاريخية ومنهجية، تُبرز الأسس الشرعية لمشاركتها، وتناقش الإشكالات المرتبطة بذلك قديمًا وحديثًا، في محاولة لإعادة قراءة الموضوع قراءة علمية متوازنة، تنطلق من النصوص الشرعية، وتراعي مقاصد الشريعة ومتطلبات الواقع المعاصر.
شكّلت الفتوى في الإسلام أداةً مركزية في توجيه حياة المسلمين أفرادًا ومجتمعات، إذ تعبّر عن الفهم العملي للنصوص الشرعية ومقاصدها، وقد كان للمرأة حضور فاعل في هذا المجال منذ العصور الأولى للإسلام، علمًا وتعليمًا، وسؤالًا وإفتاءً، خلافًا لما يُتصوَّر أحيانًا من حصر دورها في نطاق ضيق، فالمرأة المسلمة لم تكن مجرد متلقية للفتوى، بل شاركت في إنتاجها ونقلها، وأسهمت في بناء المعرفة الفقهية بما يتناسب مع واقعها وخصوصيتها، ومن هنا تأتي أهمية دراسة علاقة المرأة بالفتوى في الإسلام، للكشف عن جذورها التاريخية، وأبعادها العلمية، ودورها في تصحيح كثير من التصورات السائدة حول مكانة المرأة في الخطاب الديني، فجاء الإسلام بجماله وكماله في وقت عم في الظلام، وكثُر فيه الكفر والشرك والآثام وعبدة الأوثان، فأرسل الله ﷻ النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فأتم الله ﷻ به النعمة، وأكمل به الرسالة وختم به النبوة، فجاء لإخراج الناس من الظلام إلي النور، ومن الشرك إلي التوحيد، ومن الجهل إلي العلم، فرفع شأن الخلق كلهم، من آمن منهم بالله ورسوله فقال تعالى:( الله وَلِىُّ الذين ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ). البقرة٢٥٧
-
فجاء الإسلام بالعدل والإحسان:
فجاء بالعدل بين الرجل والمرأة في كل الأمور، ولم يأتي بالمساواة، فالمساواة ظلم للمرأة قبل الرجل، ومحال أن يظلم ربك أحداً، فقال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) النحل١١٨
ولذا جاء الإسلام لرفع مكانة المرأة، وأكرمها بما لم يكرمها به دين سواه؛ فالنساء في الإسلام شقائق الرجال، كما ثبت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضى الله ﷻ عنها (سُئلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الرَّجلِ يجدُ البللَ ولا يذكرُ احتلامًا قالَ يغتسلُ وعن الرَّجلِ يرَى أنَّهُ قدِ احتلمَ ولا يجدُ البللَ قالَ لا غُسلَ عليهِ فقالَت أمُّ سُلَيمٍ المرأةُ ترَى ذلِكَ أعلَيها غُسلٌ قالَ نعم إنَّما النِّساءُ شقائقُ الرِّجالِ).
بل إن لها ما للرجال إلا بما تختص به من دون الرجال، أو بما يختصون به دونها من الحقوق والأحكام التي تلائم كُلاً منهما، فللمرأة حق التملك، والإجارة، والبيع، والشراء، وسائر العقود، ولها حق التعلم، والتعليم، بما لا يخالف دينها، بل إن من العلم ما هو فرض عين يأثم تاركه ذكراً أم أنثى.
كان الإسلام منذ البداية حريصًا على تعليمها ففي عصر النبوة العصر الذي لم يكن بينه وبين الجاهلية إلا القليل قال صلى الله عليه وسلم فيما روته عائشة رضي الله عنها (من ولّى من أمر هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن سترًا له من النار)، وليس هناك إحسان إلى البنات خيرًا من تعليمهن وتأديبهن هكذا كرم الإسلام المرأة وجعل لها ما للرجال في حق التعليم والتثقيف وأباح لها أن تحصل على ما تشاء من فروع العلم والمعرفة، فيما لا يخالف شرع الله ﷻ، فكان الإسلام حاسماً في وجوب تعليم المرأة كل ما يتصل بأمور دينها ودنياها كالعقائد والعبادات ومعرفة الحلال والحرام ولم يفرض العلم على المرأة من قبيل تهذيبها ورفع شأنها كزوجة فقط بل إن الفقهاء أجازوا لها الانتفاع بهذا العلم في الشؤون العامة في الحياة ولم يفرق الإسلام بين الحرة والأمة في مجال التعليم والتهذيب والتثقيف فقد جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أيما رجل كانت عنده وليدة أي جارية فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران)، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع بالنساء يوماً وقلن لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن.
وقد أثمر هذا الاهتمام بتعليم المرأة في صدر الإسلام عطاء جدير بالذكر فعلى الرغم من قرب عهد الجاهلية حينها، إلا أن المرأة نبغت وتعلمت العلم وعلمت، ونجد في مختلف عصور الإسلام نساء لهن أثر بالغ خلده التاريخ حيث كن للرجال والنساء قدوة وإماماً.
فظهرت نساء فضليات كانت لهن أثر طيب وخاصة سيدات بيت النبوة الآتي روين السنة وعلمناها للناس وكن في هذا مثلاً للدقة والصدق في الرواية عن الرسول صلى الله ﷻ عليه وسلم، كما يشهد بذلك الحافظ الذهبي في مقدمة كتاب الميزان حيث يقول (لم يؤثر عن امرأة أنها كذبت في حديث)، ويقول الشوكاني في كتابه (نيل الأوطار): (لم ينقل عن أحد العلماء أنه رد خبر إمرأة لكونها إمرأة فكم من سُنة تلقتها الأمة بالقبول عن إمرأة واحدة من الصحابة وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة).
لم يقف هذا القدر من التعليم عند رواية الحديث بل أن فقه المرأة لتعاليم دينها جعلها تشارك الرجل والجماعة في الصلوات المفروضة والصلوات الطارئة كصلاة الكسوف وصلاة الجنائز.
وقد أفرزت هذه الثقافة أثرها في السلوكيات الشامخة للنساء في عصر النبوة حيث كانت النساء مشاركات في الحياة العامة مما يمكن أن نسميه بلغة عصرنا (رعاية الوافدين).
كما يؤثر عن أم شريك وكانت إمرأة غنية من الأنصار، أنها كانت عظيمة الإنفاق في سبيل الله ينزل عليها الضيفان، هذا بالإضافة إلى المشاركة في أعمال القتال بسقي المحاربين ونقل الجرحى ومداواتهم.
كذلك ذكر لنا التاريخ دور أم عمار الأنصارية في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد.
كان للمرأة دوراً عظيماً لا ينكره إلا جاحد في الإسلام، ولن تجد هذا الدور العظيم إلا في دين محمد صلى الله ﷻ عليه وسلم، وبتأثير ثقافتها الإسلامية كان للمرأة حضور قوي في المساهمة في إقامة دين الله ﷻ تعالى، حيث هاجرن مع الرسول صلى الله عليه وسلم فرارًا بدينهن من مجتمع الكفر بل وشاركن بعد ذلك في الإنكار على الحكم الظالم والذي يشهد بوعي المرأة المسلمة ونضج ثقافتها.
قبل هذا وذلك لم تتخلى المرأة المسلمة عن دورها الأول المخولة له أولاً وهو دورها في بيتها وبيت زوجها وبتأثير من ثقافتها الإسلامية كانت تجعل من بيتها واحة فواحة لأولادها وزوجها.
وقد ترجم الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة، لثلاث وأربعين وخمس مئة وألف إمرأة، منهن الفقيهات والمحدثات والأديبات، وذكر كل من الإمام النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللغات، والخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد، والسخاوي في كتابه الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، وعمر رضا كحالة في معجم أعلام النساء، وغيرهم ممن صنف كتب الطبقات والتراجم، تراجم مستفيضة لنساء عالمات في الحديث والفقه، والتفسير، وأديبات، وشاعرات.
نماذج لمعلمات في الأمة الإسلامية:
-
عائشة الصديقة أم المؤمنين وزوج رسولنا الكريم وبنت الصديق:
عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن فهر بن مالك بن كنانة، وأمها: أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن وهبان بن حارث بن غنم بن مالك بن كنانة، ويلتقي نسبها مع النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الأب في الجد السابع، ومن جهة الأمة في الجد الحادي عشر أو الثاني عشر.
- مكانتها رضى الله عنها عند رسول الله:
كان لها رضي الله عنها مكانة خاصة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يُظهر ذلك الحب، ولا يخفيه، حتى إن عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة، سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة، قال: فمن: الرجال؟ قال: أبوها.
وقال صلى الله علية وسلم لأم سلمة: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل على الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها.
وكان يداعبها، فعنها قالت: والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بالحراب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه لأنظر إلى لعبهم من بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف.
وعن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه، طفقتُ أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه.
وعن ذكوان أن عائشة كانت تقول: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي، وفي يومي وبين سَحْري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، ودخل عليَّ عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، فقلت: أُلِّينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فليَّنته فَأمرَّه، وفي رواية ثانية فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استناناً قط أحسن منه، وفي رواية ثالثة: فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة.
فعندما كان للمرأة المسلمة دوراً بارز في تعلم العلم وتعليمه وكانت المتعلمة من أرقى طبقات المجتمع تتصدر مجالس العلم ويسعى إليها طلاب العلم من كل لون وفن وكان العفاف والاستقامة ومتانة الخلق والتصون يحمل الناس على إكبار هؤلاء النسوة وتقديرهن.
وكان على رأسهن أمنا الصديقة العفيفة أم المؤمنين التقية النقية زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت السيدة عائشة رضي الله عنها وهي من هي فقهاً وروايةً تراجع الصحابة وتستدرك عليهم وقد جمع لها السيوطي استدراكاتها في كتاب أسماه (الإصابة فيما استدركته عائشة رضي الله عنها) مرجعًا في أحكام الشرع.
فتعتبر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من أفقه نساء هذه الأمة، فكيف لا تكون فقيه وهي التي تربت في بيت النبوة وأخذت العلم مباشرة من معلم هذه الأمة عليه الصلاة والسلام.
فقد روت عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً ، وبلغ مسندها رضي الله عنها ألفين ومئتين وعشرة أحاديث، وكانت أفصح أهل زمانها وأحفظهم للحديث، روى عنها الرواة من الرجال والنساء، يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ما أشكل علينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حديث قط، فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما، وكان مسروق إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق البريئة المبرأة، وقال الزهري كانت عائشة أعلم الناس، يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عطاء كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة .
وقد ثبت رجوع أكابر الصحابة مثل عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وغيرهم في الكثير من المسائل التي كانت تشكل عليهم الى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فكانت تفصل بينهم بالحكم الشرعي كما قال ابو موسى الأشعري قبل قليل.
قال مسروق: (رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها في الفرائض).
وتعد السيدة عائشة من جملة الستة الذين هم أكثر الصحابة علماً، فأمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كانت من أعلم الناس بالقرآن والفرائض والشعر وأيام العرب (التاريخ).
قال هشام بن عروة يروي عن أبيه: ما رأيت أحداً أعلم بفقهٍ ولا بطبٍّ ولا بشعرٍ من عائشة.
-
أم الدرداء رضى الله عنها:
السيدة العالمة الفقيهة، هجيمة وقيل: جهيمة الأوصابية الحميرية الدمشقية، وهي أم الدرداء الصغرى.
روت علما جماً عن زوجها أبي الدرداء، وعن سلمان الفارسي، وكعب بن عاصم الأشعري، وعائشة، وأبي هريرة، وطائفة.
وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء وطال عمرها، واشتهرت بالعلم والعمل والزهد، فهي الفقيهة العالمة التي وصفها النووي بقوله (اتفقوا على وصفها بالفقه والعقل والفهم). رضى الله عنها.
-
التابعية الجليلة عمرة بنت عبد الرحمن:
من المجتهدات في أوائل القرن الثاني الهجري هي عَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعْد بن زرارة بن عدس، الأنصاريَّة النجاريَّة المدنيَّة، الفقيهة، جدّها من أوائل الصحابة الأنصاريين، شقيق أسعد بن زرارة أحد النقباء المشهورين، أمها سالمة بنت حكيم بن هاشم بن قوالة، وأختها لأمها الصحابية أم هشام بنت حارثة بن النعمان توفيت 102ه وهي ربيبة السيدة عائشة رضي الله عنها وقد جمعت بين رواية الحديث والمعرفة الفقهية وقيل أنها كانت مصدراً لكثير من الأحكام الفقهية مثل: منع بيع الثمار غير الناضجة، ومع اتساع علومها وفد إليها طلاب العلم للتعلم ووصفها أحدهم بأنها وعاء العلم وبحره الذي لا ينفد، وقد عاصرت الخليفة عمر بن عبد العزيز فكان يسألها في بعض مسائل، وحين طلب جمع الحديث الشريف قبل أن يُقضى أهله كانت عمرة من الذين تعينوا لهذه المهمة.
كان لمكانة عمرة وقربها من السيدة عائشة رضي الله عنها أثر، بعد فضل الله تعالى، في تكوين ذلك المخزون العلمي الضخم للسُّنة النبوية الشريفة عندها رحمها الله تعالى، مما جعل كثيراً من العلماء والأمراء يثنون عليها:
يقول الإمام الحافظ يحيى بن معين: عمرة بنت عبد الرحمن ثقة حجة، وشهد الإمام المحدّث سفيان بن عيينة لها بالعلم فقال: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وعَمْرة بنت عبد الرحمن، وقال الإمام الذهبي: كانت عالمة، فقيهة، حُجّة، كثيرة العلم، وحديثها كثير في دواوين الإسلام.
-
التابعية الجليلة الفقيهة حفصة بنت سيرين رحمها الله ﷻ:
ولدت حفصة رضي الله عنها في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان سنة 31هـ، وأبوها هو سيرين مولى الصحابي أنس بن مالك، ووالدتها مولاة أبو بكر الصديق.
وتربت منذ صغرها على حفظ القرآن الكريم، وحفظته وهي ابنة اثنتي عشرة سنة، وكان أخوها محمد بن سيرين إذا استشكل عليه شيء من القرآن، قال: اذهبوا، فاسألوا حفصة كيف تقرأ.
تلقت منذ صغرها العلم على صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجالا ونساء، حتى أصبحت العالمة التي تعلم على يديها كثير من علماء سلفنا الصالح ممن يشار إليهم بالبنان، كأيوب السختياني، وقتادة بن دعامة السدوسي، وهشام بن حسان، وخالد الحذَّاء، وإياس بن معاوية المزني، قاضي البصرة زمن عمر بن عبد العزيز
أمضت حفصة بنت سيرين شبابها في عبادة وتقوى، وكانت تقول: "يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني رأيت العمل في الشباب".
كانت رضي الله عنها عابدة ورعة، وقد روى أحد تلاميذها عنها قال: كانت تجلس إلينا وهي العجوز وقد لبست جلبابها وتنقبت به، حتى إن أحدهم أشفق عليها، فقال لها ذات يوم: رحمك الله أما قال تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) النور٦٠
فقالت: وأي شيء بعد ذلك؟ فأتم الآية، وقرأ: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ)"النور: الآية ٦٠ فردت عليه: في هذا إثبات الجلباب، وهكذا كانت تأخذ بالعزائم ولا تتبع الرخص.
وروي عن إياس بن معاوية قال: ما أدركت أحداً أفضله عليها - يقصد حفصة- وقال: قرأت القرآن وهي بنت ثنتي عشرة سنة، وعاشت سبعين سنة، فذكروا له الحسن وابن سيرين فقال: أما أنا فما أفضل عليها أحداً.
ويقول ابن أبي داود: سيدتا التابعيات حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن وتليهما أم الدرداء، وعن هشام بن حسان قال: قد رأيت الحسن وابن سيرين وما رأيت أحداً أرى أنه أعقل من حفصة.
وكان ذكر الموت لايفارقها، فهي تعلم أن الدنيا أيام معدودة، وكانت تتوقع الموت في كل لحظة، حتى روِى أنها كانت تحتفظ بكفن دائم لها هو جزء من ملابسها، فإذا حجت وأحرمت لبسته، وإذا جاءت الأيام العشرة الأخيرة من رمضان لبسته تقيم فيه.
وفي سنة 101 هـ توفيت رضي الله عنها، عن سبعين عاما، قضتها في العلم والعبادة، وكان فى مقدمة من حضر جنازتها عالماً البصرة: الحسن البصري وأخوها محمد بن سيرين، رحمها الله رحمة واسعة.
-
زينب بنت عمر ابن كندي بن سعيد بن علي:
أم محمد، ابنة الحاج زكي الدين الدمشقي، زوجها ناصر الدين بن قرقيسن معتمد قلعة بعلبك،كانت امرأة صالحة خيرة دينة لها بر وصدقة، بنت رباطا، ووقفت أوقافا، وعاشت في خير ونعمة، وحجت وروت الكثير، وتفردت في الوقت.
أجاز لها المؤيد الطوسي وأبو روح الهروي وزينب الشعرية وابن الصفار وأبو البقاء العكبري وعبد العظيم بن عبد اللطيف الشرابي وأحمد بن ظفر بن هبيرة.
حدثت بدمشق وبعلبك.
وسمع منها أبو الحسين اليونيني وأولاده وأقاربه، وابن أبي الفتح، وابناه، والمزي، وابنه الكبير، وابن النابلسي والبرزالي وأبو بكر الرحبي وابن المهندس. وقرأ عليها شيخنا الذهبي من أول الصحيح إلى أول النكاح، وسمع منها عدة أجزاء، وتوفيت رحمها الله تعالى بقلعة بعلبك سنة تسع وتسعين وست مئة.
- فاطمة بنت محمد بن أحمد السمرقندي فقيهة مسلمة، ابنة العلامة محمد بن أحمد السمرقندي وزوجة علاء الدين الكاساني الملقب بملك العلماء.
- ولدت في تركستان في مدينة كاسان لاب فقيه ومحدث وتعلمت الفقه على يديه كما يقول الإمام عبد الحي اللنكوي (كانت فاطمة فقيهة علاّمة تفقّهت على أبيها، وحفظت تحفته الفوائد البهية) فتتفهت حتى كان والدها لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها على ابنته وسمع رأيها بها فكانت الفتوى تخرج وبها توقيعان توقيعه وتوقيع ابنته، واشتهرت بخطها الجميل.
خطبها من أبيها الكثير من ملوك الروم والعرب من المسلمين إلا أن والدها لم يجب أحدًا لهذا، وزوجها بدلاً عنهم تلميذه النجيب علاء الدين الكاساني، بعد أن شرح التلميذ كتاب شيخه (تخفة الفقهاء) في كتابه (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) فزوجها إياه وكان مهرها هو الكتاب، حتى قال الفقهاء (شرح تحفته وزوجه ابنته).
حياتها بعد زواجها:
لم تتوقف فاطمة السمرقنديه عن تعلم وتعليم العلم الشرعي بعد زواجها، بل كانت تنظم الحلقات وطلب العلم على يديها الكثير، ويحكى انه كان يستشسريها في الفتوى ويعمل بقولها
كما يقول المؤرخ ابن العديم (أن فاطمة كانت تنقل المذاهب نقلاً جيداً، وأن زوجها ربما يَهِمُ في الفُتيا فتردّه إلى الصواب، وتعرّفه وجه الخطأ فيرجع إلى قولها، وأنها كانت تُفتي زوجها فيحترمها ويُكْرِمها).
هجرتها مع زوجها:
تنقلت مع زوجها في كثير من البلاد حتى استقرى بجوار الملك الايوبي نور الدين محمود الذي أكرمهما وكان كثيرًا ما يستشيرها في أموره الخاصة كما كان يسشيرها أيضًا سلطان حلب محمود الدين زنكي، وكانت فاطمة تحث زوجها كثيرًا على العودة إلى موطنهما فلما اراد اجابتها علم الملك نور الدين محمود وأرسل إليها ان تبقى في حلب ولا تذهب واجابته فاطمة وبقيت هناك إلى أن ماتت.
وفاتها:
توفيت سنه 581 هـ ودفنت بمسجد إبراهيم الخليل بحلب، وكان زوجها لا ينقطع عن زيارتها كل ليلة جمعه إلى أن مات هو الآخر بعدها ب 6 سنين سنه 587 هـ
الخاتمة
في ختام هذا البحث، يتبيّن أن مسألة المرأة والفتوى في الإسلام ليست قضية طارئة أو دخيلة على المنظومة الفقهية الإسلامية، بل هي موضوع متجذّر في التراث العلمي منذ الصدر الأول، تحكمه ضوابط علمية ومنهجية واضحة، قوامها العلم الشرعي، والأهلية، والالتزام بقواعد الاستنباط، وقد أظهر البحث أن مشاركة المرأة في مجال الفتوى كانت حاضرة تاريخيًا من خلال نماذج نسائية بارزة أسهمت في نقل العلم وتبليغه، مما يدل على أن الأصل في ذلك هو الإباحة متى تحققت الشروط المعتبرة شرعًا.
كما خلص البحث إلى أن الإشكاليات المعاصرة المرتبطة بفتوى المرأة لا تعود إلى النصوص الشرعية بقدر ما ترتبط باجتهادات بشرية، وسياقات اجتماعية وثقافية متغيرة، مما يستدعي قراءة متوازنة تجمع بين المحافظة على ثوابت الشريعة ومقاصدها، وبين استيعاب مستجدات الواقع، وعليه فإن تعزيز حضور المرأة المؤهلة علميًا في مجال الفتوى يُعد إسهامًا في إثراء الخطاب الفقهي، وتوسيع آفاقه، بما يحقق مقاصد الشريعة في العدل، ورفع الحرج، وخدمة المجتمع.
ويوصي البحث بضرورة مواصلة الدراسات العلمية المتخصصة في هذا المجال، والاهتمام بإبراز النماذج النسائية العلمية في التراث الإسلامي، بما يسهم في تصحيح التصورات، وترسيخ منهجية علمية رصينة في تناول قضايا المرأة والفتوى في الإسلام.
كتبه الشيخ / هاني يوسف